Iẓhār al-ʿAṣr li-Asrār Ahl al-ʿAṣr
Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
ولما كان يوم الأربعاء، رابع الشهر عقد مجلس في الصالحية بالقضاة الأربعة، لابن السائح بدر الدين حسن؛ بسبب حكمه الماضي في أيتام أهل الذمة، فأجمع الأربعة على أن هذا الحكم غير صحيح، ولا جائز، واعتذر الشافعي له، بأن مراده عدم التعرض لهم بما يؤذيهم، وعلى هذا يكون صحيحا، وأن الموقعين كتبوا عنه ما لم يرده، وأيد ذلك بأنه لا يظن بمسلم أن يقصد ظاهر قول الموثقين أنه حكم باستمرارهم على دين آبائهم، اليهودية والنصرانية، وشنع عليهم جماعة من أتباع الحنفي من أهل القدس، بأن العادة جرت، بأن يحكم القضاة بإسلام الكفار، وهذا حكم بكفر المسلمين، فصاح عليه العوام، وأرادوا رجمه، ثم عقد له مجلس بحضرة السلطان بكرة يوم الخميس من الشهر، فقيل فيه نحو من ذلك، وانفصل المجلس على عزله من النيابة في القدس، ونقض حكمه، وإرسال مرسوم إلى الحنبلي بالقدس، ليحكم بإسلام كل من حكم بكفره، وقال السلطان: انظروا شكله، هل يكون حكمه إلا مناسبا لشكله، وكان شكله في غاية القباحة، كوسجا، منفخ العينين، سمج الوجه، كبير العمامة، رقيع البشرة، قصير القامة. وكان من المتعصبين له، القائمين معه الدويدار الكبير يونس، وكان ممن أفتى له، أن حكمه صحيح، الجلال المحلي، ويحيى المناوي؛ لأجل الدويدار رجا أن يحضر عقد المجلس بحضرة السلطان، فيكون سببا بميل السلطان إليه، بعد أن أفتى بالبطلان، وكان قد قرر الدويدار مع نقيب الجيش أن يحضر كل من أفتى بالصحة فلم يفعل ذلك، وكان اجتماع القضاة في الصالحية بغير علم الدويدار؛ فانحرف لذلك، فلما أتاه قاصد نقيب الجيش فأخبره بما اتفق بحضرة السلطان أمر به، فبطح على الأرض، وضرب، وكان شبهة المحلي، ومن تابعه في الإفتاء بالصحة ما في باب اللقيط من الروضة وغيرها في الجهة الثالثة من جهات التبعية، وهي الدار، الحال الثاني دار الكفر، فإن لم يكن فيها مسلم فاللقيط الموجود فيها محكوم بكفره، ولو كان فيها تجار مسلمون عاكفون فهل يحكم بكفرة تبعا للدار، أو بإسلامه تغليبا للإسلام؟ وجهان أصحهما الثاني، وحيث حكمنا بالكفر، فلو كان أهل البقعة أصحاب ملل مختلفة، فالقياس أن يجعل من أصوبهم دينا فشرع اللقيط الموجود في دار الإسلام لو ادعى ذمي نسبه، وأقام عليه بينة لحقه وتبعه في الكفر وارتفع ما كنا نظنه، وإن اقتصر على مجرد الدعوى، فالمذهب أنه مسلم وهو المنصوص وبه قطع أبو إسحاق وغيره، وصححه الأكثرون وقيل قولان ثانيهما يحكم بكفره؛ لأنه يلحقه بالاستلحاق، وإذا ثبت نسبه تبعه في الدين، وتمسكهم بهذا غلط صرف لا ريب فيه؛ فإن المراد بالحكم في جميع هذه المسائل إسناد الكفر إليهم والإخبار به عنهم من وادي قوله تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}[الجاثية:21]. وهذا مع اعتقادنا المنع من الكفر، وأنه يسخط الله، وأن الرامي به، مستحسنا له كافر.
وأما الحكم الذي هو قضاء القاضي فلا يكون إلا في أمر تعتقد صحته وجوازه، ومما يدل على إطلاق الأصحاب الحكم على نفس التقرير من غير قضاء القاضي ما اختاره السبكي في أنكحة الكفار إذا أسلموا من أنها إن وقعت على وفق الشرع فهي صحيحة، وإلا فهي محكوم لها بالصحة، ولا نقول أنها صحيحة؛ لأن الصحة حكم شرعي أنهى معنى محكوم لها بالصحة أنه يفعل بها ما يفعل بالمقضي به من تقريره، وعدم التعرض إليه، ولا نقول أنها صحيحة أي ولا نصفها بالصحة، بل نصفها بأنها مقررة والله أعلم.
وفي نفس كتاب اللقيط مما يرد عليهم أكثر مما تمسكوا به، يعرف ذلك بالتأمل الصحيح له مع ما قبله، وما بعده، منه قوله في الصبي المميز إذا تكلم بالإسلام: والثالث يصح إسلامه، وعلى هذا لو ارتد صحت ردته.
قلت: الحكم بصحة الردة بعيد، بل غلط والله أعلم. ومنه: وأما ما
Page 32