الخطاب مثل ذلك، وتشدد فيه، فأعطى القود من نفسه أكثر من مرة (١) . ولما قيل له في ذلك قال: رأيت رسول الله ﷺ يعطي القود من نفسه، وأبا بكر يعطي القود من نفسه، وأنا أعطي القود من نفسي (٢) .
ومن تشدد عمر في هذا الباب أنه ضرب رجلًا، فقال له الرجل: إنما كنتُ أحد رجلين: رجل جهل فعُلَّم، أو أخطأ فعُفي عنه. فقال له عمر: صدقت، دونك فامتثِل؛ أي اقتص (٣) .
وأخذ عمر الولاة بما أخذ به نفسه، فما ظلم وال رعيته إلا أقاد من الوالي للمظلوم، وأعلن على رءوس الأشهاد مبدأه في موسم الحج، حيث طلب ولاة الأمصار أن يوافوه في الموسم، فلما اجتمعوا خطبهم وخطب الناس قال: أيها الناس، إني ما أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فُعل به شئ سوى ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفس عمر بيده لأقصنَّه منه. فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل من المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته إنك لتقصنه منه؟ فقال: أي والذي نفس عمر بيده، إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصه وقد رأيت النبي ﷺ يقص من نفسه (٤) .
وقد جرى العمل في الشريعة على محاكمة الخلفاء والملوك والولاة أمام القضاء العادي، وبالطريق العادي، فهذا هو علي بن أبي طالب في خلافته يفقد درعًا له ويجدها مع يهودي يدعي ملكيتها، فيرفع أمره إلى القاضي، فيحكم لصالح اليهودي ضد علي. وهذا هو المغيرة والي الكوفة يُتهم بالزنا، فيحاكم على الجريمة
(١) سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص١١٣ - ١١٥.
(٢) الأم ج٦ ص٤٤.
(٣) الخراج لأبي يوسف ص٦٥.
(٤) تاريخ ابن الأثير ج٣ ص٣٠٨، كتاب الخراج لأبي يوسف ص٦٦.