أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر" (١) .
وخرج أثناء مرضه الأخير بين الفضل ابن عباس وعلي حتى جلس على المنبر، ثم قال: "أيها الناس من كنت جلدتُ له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قِبَلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليَّ من أخذ مني حقًا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس". ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى (٢) .
وجاء خلفاء الرسول من بعده فنسجوا على منواله، واهتدوا بهديه، فهذا أبو بكر ﵁ يصعد المنبر بعد أن بويع بالخلافة، فتكون أول كلمة يقولها توكيدًا لمعنى المساواة، ونفيًا لمعنى الامتياز، قال: أيها الناس، قد وُليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. ثم يعلن في آخر كلمته أن من حق الشعب الذي اختاره أن يعزله، فيقول: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم (٣) .
وهذا عمر بن الخطاب يولى الخلافة فيكون أكثر تمسكًا بهذه المعاني، حتى إنه ليرى قتل الخليفة الظالم. خطب يومًا فقال: لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقًا وغربًا، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلًا منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جَنِفَ قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلتَ وإن تعوج عزلوه، قال: لا، القتل أنكل لمن بعده (٤) .
وأعطى أبو بكر القَوَد من نفسه، وأقاد للرعية من الولاة. وفعل عمر بن
(١) زاد المعاد ج١ ص٥٩.
(٢) تاريخ ابن الأثير ج٢ ص١٥٤.
(٣) تاريخ ابن الأثير ج٢ ص١٦٠.
(٤) تاريخ ابن الأثير ج٣ ص٣٠.