227

Al-tashrīʿ al-jināʾī al-islāmī muqāranan biʾl-qānūn al-waḍʿī

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

Publisher

دار الكاتب العربي

Publisher Location

بيروت

لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، فإذا كان رفع الصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم، فكيف بتقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها إليه، أليس هذا أولى أن يكون محبطًا لأعمالهم؟
وقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، فإذا جعل الله من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون إذا كانوا معه إلا بعد استئذانه، فأولى أن يكون من لوازم الإيمان أن لا يذهبوا إلى قول أو فعل، ولا إلى مذهب علمي أو سياسي إلا بعد استئذانه، وإذنه يعرف بعد وافته بموافقة ما يذهبون إليه لما جاء به، فإن وافقه فقد أذن، وإن لم يوافقه - ثم ذهبوا إلى هذا المخالف - فقد انتفى عنهم الإيمان، وحبطت أعمالهم، وخسروا دنياهم وآخرتهم (١) .
٥ - إن الله أمر بأن يكون الحكم طبقًا لما أنزل، وجعل من لم يحكم بما أنزل الله كافرًا، وظالمًا، وفاسقًا: فقال جل شأنه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] .
ومن المتفق عليه بين المفسرين أن من قبلنا استحدثوا لأنفسهم شرائع وقوانين، وتركوا بالحكم بها بعض ما أنزل الله، فاعتبرهم الله بعملهم هذا كفارًا وظلمة وفاسقين.
ومن المتفق عليه أيضًا بين المفسرين أن من يستحدث من المسلمين أحكامًا غير ما أنزل الله، ويترك بالحكم بها كل أو بعض ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته، فإنه يصدق عليهم ما قاله الله تعالى كل بحسب حاله، فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا لأنه يفضل غيره من أوضاع البشر

(١) أعلام الموقعين ج١ ص٥٨

1 / 228