Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
Editor
الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا
Publisher
دار الكتاب العربي
Edition
الطبعة الأولى ١٤١٩هـ
Publication Year
١٩٩٩م
هَذَا إِذَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِذَاتِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ؛ أَمَّا لَوْ كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ لِوَصْفِهِ، وَذَلِكَ نَحْوُ النَّهْيِ عَنْ عَقْدِ الرِّبَا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ: إِلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، بَلْ عَلَى فَسَادٍ نَفْسِ الْوَصْفِ.
وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ: بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ لَوْ دَلَّ عَلَى فَسَادِ الْأَصْلِ لَنَاقَضَ التَّصْرِيحَ بِالصِّحَّةِ كَمَا مَرَّ.
وَأَيْضًا كَانَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ طَلَاقُ الْحَائِضِ، وَلَا ذَبْحُ مِلْكِ الْغَيْرِ لِحُرْمَتِهِ إِجْمَاعًا.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ: إِلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْأَصْلِ، محتجيين بِأَنَّ النَّهْيَ ظَاهِرٌ فِي الْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ لِذَاتِهِ أَوْ "لِوَصْفِهِ"* وَمَا قِيلَ مِنْ جَوَازِ التَّصْرِيحِ بِالصِّحَّةِ فَمُلْتَزَمٌ إِنْ وَقَعَ، وَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى فَسَادِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ صَوْمِهِ١ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِذَاتِهِ، وَلَا لِجُزْئِهِ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ بَلْ لِكَوْنِهِ صَوْمًا فِي يَوْمِ الْعِيدِ، وَهُوَ وَصْفٌ لِذَاتِ الصَّوْمِ.
قَالَ بَعْضُ المحققين من أهل الأصول: إن النهي عن الشيء لوصفه هو أن ينهي عَنِ الشَّيْءِ مُقَيَّدًا بِصِفَةٍ نَحْوَ "لَا تُصَلِّ كذا" ولا "تبع كذا" وحاصله ما يُنْهَى عَنْ وَصْفِهِ لَا مَا يَكُونُ الْوَصْفُ عِلَّةً لِلنَّهْيِ.
وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ نَحْوُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَقِيلَ: لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ لِعَدَمِ مُضَادَّتِهِ لِوُجُوبِ أَصْلِهِ لِتَغَايُرِ الْمُتَعَلِّقِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُضَادُّ وُجُودَ أَصْلِهِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ إِيقَاعُ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَتْبَاعُهُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَهُوَ كَالنَّهْيِ عَنِ الصَّوْمِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ لِذَاتِهِ، وَلِجُزْئِهِ، وَلِوَصْفٍ لَازِمٍ، وَلِوَصْفٍ مُجَاوِرٍ، وَيَحْكُمُونَ فِي بَعْضٍ بِالصِّحَّةِ وَفِي بَعْضٍ بِالْفَسَادِ فِي الأصل، أو في الوصف ولهم في
* في "أ": لصفاته.
١ أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ أن رسول الله ﷺ "نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم الأضحى"، كتاب الصوم، باب صوم النحر "١٩٩٣" ومسلم، كتاب الصوم، باب تحريم صوم يومي العيدين "١١٣٨". مالك في الموطأ، كتاب الصيام، باب صيام يوم الفطر والأضحى والدهر "١/ ٣٠٠". والبيهقي في السنن، كتاب الصيام، باب الأيام التي نهى عن صومها "٤/ ٢٩٧". وابن حبان في صحيحه "٣٩٥٨". وأحمد في المسند "٤/ ٥١١، ٥٢٩".
1 / 283