270

Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

Editor

الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا

Publisher

دار الكتاب العربي

Edition

الطبعة الأولى ١٤١٩هـ

Publication Year

١٩٩٩م

الشَّارِعَ لَوْ قَالَ نَهَيْتُكَ عَنِ الرِّبَا نَهْيَ تحريم ولو فَعَلْتَ لَكَانَ الْبَيْعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مُوجِبًا لِلْمَلِكِ لَصَحَّ مِنْ غَيْرِ تَنَاقُضٍ، لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا.
وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ؛ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِخِلَافِ النَّهْيِ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ لَهُ عَنِ الظَّاهِرِ، وَلَمْ نَدَّعِ إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَهُ الْفَسَادُ فَقَطْ.
وَذَهَبَتِ الحنفية إلى: أن ما لا تتوقف مَعْرِفِتُهُ عَلَى الشَّرْعِ كَالزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لِعَيْنِهِ، وَيَقْتَضِي الْفَسَادَ إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِوَصْفِهِ، أَوِ الْمُجَاوِرِ لَهُ، فَيَكُونُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ كَالنَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِ الْحَائِضِ، وَأَمَّا الْفِعْلُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ مَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الشَّرْعِ فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ فَلَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَلَمْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ مَقْبُولٍ.
وَالْحَقُّ: أَنَّ كُلَّ نَهْيٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَفَسَادَهُ الْمُرَادِفَ لِلْبُطْلَانِ، اقْتِضَاءً شَرْعِيًّا، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اقْتِضَائِهِ لِذَلِكَ فَيَكُونُ هَذَا الدَّلِيلُ قَرِينَةً صَارِفَةً لَهُ مِنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ إِلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ.
وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى هَذَا ما ورد في الحديث الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ: "كل أمر ليس عليه أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" ١ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ، وَمَا كَانَ رَدًّا أَيْ: مَرْدُودًا كَانَ بَاطِلًا، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مَعَ اخْتِلَافِ أَعْصَارِهِمْ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالنَّوَاهِي عَلَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ، وَأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ النَّهْيِ مقتضيًا للفساد، وصح عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذا أمرتكم بأمر فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِنْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ" ٢ فَأَفَادَ وُجُوبَ اجْتِنَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَدَعْ عَنْكَ مَا "رَاوَغُوا٣"*به من الرأي.

* في "أ": روغوا.

أخرجه البخاري من حديث عائشة، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود "٢٦٩٧". ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثان الأمور "١٧١٨". وأبو داود، كتاب السنة، وباب في لزوم السنة "٤٦٠٦". والبيهقي، كتاب آداب القاضي "١٠/ ١١٩". وابن حبان في صحيحه "٢٦".
٢ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر "١٣٣٧". والنسائي في السنن، كتاب مناسك الحج، باب وجوب الحج "٢٦١٨". والترمذي في السنن، كتاب العلم، باب في الانتهاء عما نهى عنه رسول الله ﷺ "٢٦٧٩". وقال: حسن صحيح. وابن ماجه في السنن، المقدمة "٢". والبيهقي في السنن، كتاب الحج، باب وجوب الحج مرة واحدة "٤/ ٣٢٦". وابن حبان في صحيحه "١٨".
٣ راغ الثعلب روغًا وروغانًا: ذهب يمنة ويسرة في سرعة خديعة، فهو لا يستر في جهة، ويستعار هذا المعنى للرجل المخادع. ا. هـ. المصباح المنير مادة روغ.

1 / 282