قد تفرد الزهرى بنحو ستين سنة، لم يردها غيره، وعملت بها الأمة، ولم يردوها بتفرده. هذا، مع أن عكرمة روى عن ابن عباس رضى الله عنهما حديث ركانة، وهو موافق لحديث طاووس عنه، فإن قدح فى عكرمة أبطل وتناقض، فإن الناس احتجوا بعكرمة، وصحح أئمة الحفاظ حديثه، ولم يلتفتوا إلى قدح من قدح فيه.
فإن قيل: فهذا هو الحديث الشاذ، وأقل أحواله؟ أن يتوقف فيه، ولا يجزم بصحته عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
قيل: ليس هذا هو الشاذ، وإنما الشاذ: أن يخالف الثقات فيما رووه، فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حدثيا منفردا به، لم يرو الثقات خلافه، فإن ذلك لا يسمى شاذًا، وإن اصطلح على تسميته شاذًا بهذا المعنى، لم يكن الاصطلاح موجبًا لرده ولا مسوغًا له.
قال الشافعى ﵀: "وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث، بل الشاذ أن يروى خلاف ما رواه الثقات"، قاله فى مناظرته لبعض من رد الحديث بتفرد الراوى به.
ثم إن هذا القول لا يمكن أحدًا من أهل العلم، ولا من الأئمة، ولا من أتباعهم طرده ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم.
والعجب أن الرادين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيرًا من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة، انفرد بها رواتها، لا تعرف عن سواهم، وذلك أشهر وأكثر من أن يعد.
ولما رأى بعضهم ضعف هذه المسالك وأنها لا تجدى شيئًا استروح إلى تأويله. فقال: معنى الحديث: أن الناس كانوا يطلقون على عهد رسول الله ﷺ، وأبى بكر، وعمر واحدة، ولا يوقعون الثلاث، فلما كان فى أثناء خلافة عمر رضى الله عنه أوقعوا الثلاث، وأكثروا من ذلك، فأمضاه عليهم عمر رضى الله عنه. كما أوقعوه، فقوله: "كانت الثلاث على عهد رسول الله ﵊ واحدة" أى فى التطليق، وإيقاع المطلقين: لا فى حكم الشرع.