فصل
ومن كيده الذي بلغ به من الجهَّال ما بلغ: الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله ﷺ، وخَيّل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفي، حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد، والتعب الحاضر، وبطلان الأجر أو تنقيصه.
ولا ريب أن الشيطان هو الداعي إلى الوسواس، فأهله قد أطاعوا الشيطان، ولبَّوا دعوته، واتبعوا أمره، ورغبوا عن اتباع سنة رسول الله ﷺ وطريقته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله ﷺ، أو اغتسل كاغتساله؛ لم يطهُر ولم يرتفع حَدَثه.
ولولا العذر بالجهل لكان هذا مشاقَّةً للرسول؛ فقد كان رسول الله ﷺ[٣٨ أ] يتوضأ بالمُدّ، وهو قريب من ثُلثِ رطل بالدّمَشْقي، ويغتسل بالصّاع (^١) وهو نحو رطل وثلث.
والموسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه.
وصحَ عنه أنه توضأ مرة مرة (^٢)، ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أن «من زاد عليها فقد أساء وتعدى وظلم» (^٣).
(^١) أخرجه البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥) عن أنس.
(^٢) أخرجه البخاري (١٥٧) من حديث ابن عباس.
(^٣) رواه أبو عبيد في الطهور (٨١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٦)، وأحمد (٢/ ١٨٠)، وأبو داود (١٣٥)، والنسائي (١٤٠)، وابن ماجه (٤٢٢)، وغيرهم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم»، وصححه ابن الجارود (٧٥)، وابن خزيمة (١٧٤)، والنووي في المجموع (١/ ٤١٩) وفي غيره، وابن الملقن في البدر المنير (٢/ ١٤٣)، وقال ابن دقيق العيد في الإلمام (١/ ٦٦ - ٦٧): «إسناده صحيح إلى عمرو، فمن يحتج بنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فهو عنده صحيح»، وكذا قال ابن عبد الهادي في المحرر (١/ ١٠١)، وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٢٣٣): «إسناده جيد»، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٩٨٠). وفي الباب عن ابن عباس وعائشة ﵄.