Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
عليه، مع أنهم في تحقيق العلوم وكمالها بالغاية التي لا يدرك أحد شأوها، كانوا أعمق الناس علماً وأقلهم تكلفاً، وأبرهم قلوباً، ولا يوجد لغيرهم كلام فيما تكلموا فيه إلا وجدت بين الكلامين الفرق أعظم مما بين القدم والفرق (١). بل الذي وجدناه بالاستقراء أن الخالصين في العلوم من أهل هذه الصناعة أكثر الناس شكا واضطراباً، وأقلهم علماً وتحقيقاً، وأبعدهم عن تحقيق علم موزون، وإن كان فيهم من قد يحقق شيئاً من العلم، فذلك لصحة المادة والأدلة التي ينظر فيها، وصحة ذهنه وإدراكه؛ لا لأجل المنطق، بل إدخال المنطق في العلوم الصحيحة يطول العبارة ويبعد الإشارة، ويجعل القريب من العلم بعيداً، واليسير منه عسيراً، ولهذا تجد من أدخله في الخلاف والكلام وأصول الفقه وغير ذلك لم يفد إلا كثرة الكلام والتشقيق مع قلة العلم والتحقيق (٢))).
٢٦٣- وإن ابن تيمية لا يكتفي في هدم المنطق مبيناً أنه لا جدوى؛ وأن الناس من غيره يصلون إلى الحقائق في استقامة تفكير وسلامة تعبير، وأن الذين يسلكون مذهبه لا يقصدون إلا تشقيق القول في غير جداء، لا يكتفي ابن تيمية بالقول في ذلك، بل إنه يتجه إلى الصلب، ويأتي البنيان من قواعده، فيحاول أن يثبت أن الدعائم التي يقوم عليها بناء المنطق دعائم واهية، وأنها في ذاتها غير سليمة؛ فيقول (( أعلم أنهم بنوا المنطق على الكلام في الحد ونوعه، قالوا لأن العلم إما تصور وإما تصديق، فالطريق الذي ينال به التصور هو الحد، والطريق الذي ينال به التصديق هو القياس، فنقول الكلام في أربعة مقامات، مقامين سالبين، ومقامين موجبين، فالأولان في قولهم إن التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد، والثاني إن التصديق المطلوب لا ينال إلا بالقياس، والآخران أن الحد يفيد العلم بالتصورات، وأن البرهان الموصوف يفيد العلم بالتصديقات فالمقامان السالبان ينفيان الطرق التي يسلكها غير المناطقة في التوصل إلى التصور والتصديق، والمقامان الموجبان
(١) أي موضع فرق الشعر في الرأس. (٢) نقض المنطق ص ١٦٩.
249