133

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التى عقمت الأيام والليالى عن مثلها ، عمت الخلائق ، وخصت المسلمين ، فلو قال قائل إن العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا ، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها .. ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم ، وتفنى الدنيا إلا بأجوج ومأجوج ... هؤلاء لم يبقوا على أحد ، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم لهذه الحادثة التى استطار شررها ، وعم ضررها ، وسارت فى البلاد كالرياح استدبرته الريح...)) ((إن قوما خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان ... ومنها إلى بلاد ما وراء النهر . فملكوها .. ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكا وتخريباً وقتلا ونهباً، ثم يتجاوزونها إلى الرى وهمذان .. إلى حد العراق ثم يقصدون بلاد أذربيجان ويخربونها ويقتلون أكثر أهلها ، ولم ينج منهم إلا الشريد النادر فى أقل من سنة ، هذا ما لم يسمع بمثله ... ثم قصدوا بلاد قفجاق ، وهم من أكثر الترك عدداً فقتلوا كل من وقف لهم، فهرب الباقون إلى الغياض ورءوس الجبال ، وفارقوا بلادهم ، واستولى هؤلاء النتر عليها، فعلوا هذا فى أسرع زمان ، ولم يلبثوا إلا بمقدار مسيرهم لا غير، ومضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة إلى غزته وأعمالها وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان، ففعلوا فيها مثل ما فعل هؤلاء وأشد هذا ما لم يطرق الأسماع مثله . فإن الإسكندر الذى اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها فى هذه السرعة، إنما ملكها فى نحو عشر سنين، ولم يقتل أحداً إنما رضى من الناس بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأكثره عمارة وأهلا ، وأعدل أهل الأرض أخلاقا وسيرة فى نحو سنة ، ولم يبت أحد من البلاد التى لم يطرقوها إلا وهو خائف، يتوقعهم ويترقب وصولهم إليه . ثم أنهم لا يحتاجون إلى ميرة ومدد يأتيهم فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل وغير ذلك من الدواب يأكلون

132