357

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

رعيتهم حكم الدين، فاستوى أهل المدينة وغيرهم، ولا يتصور أن يكونوا قد قصروا في تعريف الدين لأهل الأمصار غير المدينة، لأن ذلك التقصير سوء، قد أعاذهم الله سبحانه وتعالى منه.

٤٣٢ - وإن ابن حزم يقرر هنا أمراً قد سبقه الشافعي إلى تقريره، ومنشؤه الاستقراء والتتبع، وهو أن أهل المدينة لا يجمعون على أمر إلا إذا كان قد أجمع عليه الصحابة الأولون من قبل، وإن ذلك يكون موضع إجماع العلماء في غير المدينة ولذلك يقرر تبعاً للشافعي أنه لم يجمع أهل المدينة على أمر إلا إذا كان موضع إجماع العلماء في كل الأمصار، وأنهم إذا اختلفوا، فالمسألة موضع خلاف أيضاً عند غيرهم (١).

ولا يكتفي ابن حزم بذلك، بل إنه رضي الله عنه يشكك في أقوال هؤلاء الذين يدعون أن عمل أهل المدينة حجة فيدعي عليهم أنهم ما قالوا ذلك إلا ليثبتوا أن مالكاً أولى بالاتباع من غيره، فيقول في ذلك: «إنما قال ذلك قوم من المتأخرين ليتوصلوا بذلك إلى تقليد مالك بن أنس دون علماء المدينة جميعاً، ولا سبيل لهم إلى مسألة واحدة أجمع عليها جميع فقهاء المدينة المعروفين من الصحابة والتابعين خالفهم فيها سائر الأمصار».

٤٣٣ - هذا نظر ابن حزم في الإجماع، وهو في الحقيقة ينتهي إلى النص لأنه أولاً يشترط أن يكون سنده النص، ولأنه ثانياً لا يتصور إجماعاً إلا أن يكون متواتراً تواتر نقل مقطوع به حتى يصل إلى عهد النبوة، ولأنه ثالثاً لا يتصوره إلا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم بقول، أو فعل، أو تقرير، والله سبحانه هو الهادي.

(١) راجع في هذا كتاب الشافعي المؤلف.

357