326

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

إذ النسخ ليس أمراً سهلا ، فهو إنهاء لتكليف اشتملت عليه آية قرآنية ، وإذا قرر ابن حزم أنه بيان، فإنه إن تردد الفقيه بين إعمال النصين والتوفيق بينهما إن كان ممكناً وبين النسخ كان التوفيق أولى وأحرى بالقبول .

وهناك رأى ثان ، وهو رأى الشافعى رضى الله عنه ، وقد دونه فى الرسالة ، فهو يقول : السنة هى التى تنسخ السنة ، والقرآن هو الذى ينسخ القرآن فالقرآن لا ينسخ السنة إلا إذا وجدت سنة مبينة للنسخ ، وتكون هى الناسخة ، والقرآن لا ينسخ القرآن إلا ببيان من السنة ، وعلى ذلك لا يقول الشافعى إن أحد الأصلين ينسخ الآخر ولكن السنة هى المبينة دائماً لنسخ القرآن بالقرآن ، وذلك لأن النسخ بيان ، وبيان القرآن من السنة، ولأن السنة تبين تاريخ الآيتين ، فيعلم المتقدمة منهما من المتأخرة وذلك أساس النسخ .

٣٩٩- والقول الثالث هو الذى اختاره ابن حزم، وهو إثبات النسخ فى القرآن كقول الجمهور ومنهم الشافعى ، ولكنه يقرر جواز نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن ، سواء أكانت السنة منقولة بالتواتر أم كانت منقولة بأخبار الآحاد، فكل ذلك ينسخ بعضه بعضا. وينسخ الحديث الآيات من القرآن وتنسخه، ويقول فى الاستدلال لترجيح ذلك الرأى: ((وبرهان ذلك ما بيناه من وجوب الطاعة لما جاء عن النبي ﷺ كوجوب الطاعة لما جاء فى القرآن ، ولا فرق، وإن كل ذلك من عند الله لقوله تعالى: ((وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى)) فإذا كان كلامه وحياً من عند الله عز وجل، والقرآن وحى، فنسخ الوحى بالوحى جائز))(١) .

يسوق ابن حزم هذه الحجة التى تتفق مع منطقه ، وقد قرر من أول الأمر أن السنة قطعية توجب العلم كما توجب العمل ، وأنه لا فرق فى ذلك بين حديث آحاد وحديث متواتر، لأن الجميع يفيد العلم ، وعلى ذلك فالمتواتر والآحاد سواء فى جواز نسخ القرآن بهما، وجواز نسخهما بالقرآن.

وإن ذلك الرأى يختلف عن رأى الحنفية الذين جوزوا نسخ السنة بالقرآن

(١) الاحكام ج٤ ص ١٠٧

326