Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
التقليد لرؤسائهم، ومن مضى من أسلافهم، فنأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل الله به سلطاناً، ولا أوضح به برهاناً، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين، فخالفوا رواية الصحابة عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في رؤية الله بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات المختلفات، وتواردت الآثار، وتتابعت الأخبار، وأنكروا شفاعة الرسول، وردوا الرواية في ذلك عن السلف المتقدمين، وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون، ودانوا بخلق القرآن نظيراً لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا إن هذا إلا قول البشر، فزعموا أن القرآن كقول البشر، وأثبتوا وأيقنوا أن العباد يخلقون الشر نظيراً لقول المجوس الذين يثبتون خالقين أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر، وزعموا أن الله عز وجل يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، خلافاً لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون، ورداً لقول الله تعالى: ((وما تشاءون إلا أن يشاء الله)) فأخبرنا أننا لا نشاء شيئاً إلا وقد شاء أن نشاءه، ولقوله تعالى: ((ولو شاء الله ما اقتتلوا)) ولقوله ((ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها)) ولقوله مخبراً عن شعيب أنه قال: ((وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا)). ولهذا أسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مجوس هذه الأمة)) لأنهم دانوا ديانة المجوس، وضاهوا أقوالهم، وزعموا أن للخير والشر خالقين، كما زعمت المجوس، وأن يكون من الشر ما لا يشاء الله كما قالت المجوس، وزعموا أنهم يملكون من الضر والنفع لأنفسهم رداً لقول الله تعالى: ((قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله)) وانحرافاً عن القرآن، وعما أجمع عليه المسلمون، وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم، وأثبتوا لأنفسهم غنى عن الله عز وجل، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله بالقدرة عليه، كما أثبت المجوس من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لله عز وجل، فكانوا مجوس هذه الأمة، إذ دانوا بديانة المجوس، وتمسكوا بأقوالهم، ومالوا على أضاليلهم، وقطعوا الناس من رحمة الله، وأيأسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود فيها، خلافاً لقول الله تعالى ((ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)).
132