وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبَهُمْ
فهذا ظلم للفقراء، وهذا يعتبر غلولاً، وأما إذا لم يقبل هدیتهم فإنه يأخذ الواجب، وقد تقدم أنه يأخذ الأوسط، فلا يأخذ الأردى والأدون، ولا يأخذ الخيار والنفيس.
وفي زماننا هذا تفرض الحكومة للعمال رواتب شهرية كسائر الموظفين، فإذا كان كذلك فإنه لا يحق لهم أن يخفوا شيئاً من هذه الزكوات، بل يعتبرون كوكلاء يجمعونها ويدخلونها في بيت المال، ولا يحل لهم منها شيء لا قليل ولا كثير، وذلك لأن الحق الذي فرضه الله لهم، إنما هو إذا لم يكن لهم شيء مسمى من الدولة، فإذا قيل لهم: لا نعطيكم شيئاً، ولن يفرض لكم شيئاً ولكن خذوا قدر ما تستحقونه من إعاشتكم ومن مكافآتكم، فيأخذون بقدر حقهم، فلا ظلم على العامل ولا ظلم على الموكل، أما إذا فُرِضَ لهم فليس لهم أن يتجاوزوه.
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم:
كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم تأليفاً لهم، إما قائداً يرجى إسلامه، أو يرجى إسلام نظيره، أو يرجى كف شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو يرجى أنه يتولى جباية الزكاة من قومه، فإذا لم يعط فإنه لا يجبي الزكاة؛ بل يجحدها أو يمنعها، فهؤلاء سادة في قومهم مطاعون يعطون تأليفاً لهم؛ حتى يؤمن شرهم، وحتى يقوى إيمانهم، وحتى يكونوا ناصحين ومخلصين لولي الأمر، فهذا هو سبب إعطائهم.
فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه وقوي الإِسلام وتمكن وصار القادة والسادة الذين في أول الإِسلام يخاف من شرهم؛ صاروا كآحاد الناس لم يعطهم