شَيْئا من ذَلِك قطّ عمدا من غير عذر فِي فَرِيضَة، وَصَلَاة الصَّحَابَة. وَالتَّابِعِينَ. وَمن بعدهمْ من أَئِمَّة الْمُسلمين، وَهِي الَّتِي توارثوا أَنَّهَا مُسَمّى الصَّلَاة، وَهِي من ضروريات الْملَّة، نعم اخْتلف الْفُقَهَاء فِي أحرف مِنْهَا هَل هِيَ أَرْكَان الصَّلَاة لَا يعْتد بهَا بِدُونِهَا. أَو واجباتها الَّتِي تنقص بِتَرْكِهَا، أَو أبعاض يلام على تَركهَا وتجبر بِسَجْدَة السَّهْو.
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن خضوع الْقلب لله وتوجهه إِلَيْهِ تَعْظِيمًا ورغبة وَرَهْبَة - أَمر خَفِي لَا بُد لَهُ من ضبط، فضبطه النَّبِي ﷺ بشيئين: أَن يسْتَقْبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ وبدنه. وَأَن يَقُول بِلِسَانِهِ: الله أكبر، وَذَلِكَ لِأَن من جبلة الْإِنْسَان أَنه إِذا اسْتَقر فِي قلبه شَيْء جرى حسب ذَلِك الْأَركان وَاللِّسَان، وَهُوَ قَوْله ﷺ: " إِن فِي جَسَد
ابْن آدم مُضْغَة " الحَدِيث فَفعل اللِّسَان والأركان أقرب مَظَنَّة وَخَلِيفَة لفعل الْقلب، وَلَا يصلح للضبط إِلَّا مَا يكون كَذَلِك.
وَلما كَانَ الْحق متعاليا عَن الْجِهَة - نصب التَّوَجُّه إِلَى بَيته، وَأعظم شعائره مقَام التَّوَجُّه إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْله ﷺ: " مُقبلا إِلَى الله بِوَجْهِهِ وَقَلبه ".
وَلما كَانَ التَّكْبِير أفْصح عبارَة عَن انقياد الْقلب للتعظيم لم يكن لفظ أَحَق أَن ينصب مقَام توجه الْقلب مِنْهُ.
وفيهَا وُجُوه أُخْرَى: مِنْهَا أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَاجِب من جِهَة تَعْظِيم بَيت الله وَقت الصَّلَاة، ليكمل كل وَاحِد بِالْآخرِ.
وَمِنْهَا أَنه أشهر عَلَامَات الْملَّة الْحَنَفِيَّة الَّتِي يتَمَيَّز بهَا النَّاس عَن غَيرهَا، فَلَا بُد من أَن ينصب مثله عَلامَة للدخول فِي الاسلام، فوقت بأعظم الطَّاعَات وأشهرها، وَهُوَ قَوْله ﷺ: " من صلى صَلَاتنَا، واستقبل قبلتنا، وَأكل ذبيحتنا فَذَلِك الْمُسلم الَّذِي لَهُ ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله ".
وَمِنْهَا أَن الْقيام لَا يكون تَعْظِيمًا إِلَّا إِذا كَانَ مَعَ اسْتِقْبَال.
وَمِنْهَا أَنه لَا بُد لكل حَال تبَاين سَائِر الْحَالَات فِي الْأَحْكَام من أبتداء وانتهاء، وَقَوله ﷺ: " تحريمهما التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم "
أما التَّعْظِيم بجسده فَالْأَصْل فِيهِ ثَلَاث حالات: الْقيام بَين يَدَيْهِ، وَالرُّكُوع، وَالسُّجُود، وَأحسن التَّعْظِيم مَا جمع بَين الثَّلَاث، وَكَانَ التدريج من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى أَنْفَع فِي تَنْبِيه النَّفس للخضوع من غَيره، وَكَانَ السُّجُود
أعظم التَّعْظِيم يظنّ أَنه مَقْصُود بِالذَّاتِ، وَأَن الْبَاقِي طَرِيق إِلَيْهِ، فَوَجَبَ أَن يُؤَدِّي حق هَذَا الشّبَه وَذَلِكَ بتكراره.