إقامة المتنبي في مصر قد أوجدت حوله عددًا من الأنصار والمعجبين، وكان لهؤلاء أنفسهم تلامذة يدرسون شعر أبي الطيب، ويذهبون في الإعجاب به مذهبًا بعيدًا، حتى فضلوه على ما تقدم من الشعراء، وحتى قالوا " ليس له معنى نادر ولا مثل سائر إلا هو من نتائج فكره وأبو عذره، وكان بجميع ذلك مبتدعًا ولم يكن متبعًا، ولا كان لشيء من معانيه سارقًا، ل كان إلى جميعها سابقًا " (١)، وليس من الضروري أن يقول المعجبون هذا كله، وغنما هم خلقوا من حول ابن وكيع جوًا لا يستريح غليه، ولا يلائم ما يرجوه لنسفه من شهرة في الشعر.
موقف المعجبين بابي الطيب ذو شقين
وتنقسم القضية التي أثارها المعجبون حول أبي الطيب في شقين: أولهما أنه افضل من كل من تقدمه؛ والثاني أن معانيه مخترعة؛ ومع ان ابن وكيع لا يسلم بالشق الأول، فانه يرى أن الرد على الثاني أولى: " فكيف بالإغضاء عن نفيهم عنه ما لا يسلم منه بدوي أو حضري، جاهلي أو إسلامي من استعارة الألفاظ النادرة، أو الأمثال السائرة؟ وهذه دعوى لابد من كشف أسرارها وإظهارها، وهي بالعناية أولى من الأولى " إذ لو سلم بها ابن وكيع، لكانت معجزة أو شبيهة بها، وكان من حق أبي الطيب، لو تيقن صدقها، إن يتخذها آية تصحح ما ادعاه من النبوة (٢)؛ وكأنما كان ابن وكيع يعتقد أن إثبات كثرة المسروق في شعر المتنبي هو رد ضمني على الشق الأول من القضية، لان إثبات الاتكاء الكثير على معاني الآخرين سيفقد أنصاره حماستهم لتقديمه على كل شاعر سابق.
(١) المنصف، الورقة ٢ أ.
(٢) نفسه، ٢أ - ٢ ب.