من صناعة، وبلاغة المصنوع ولا يخلو من طبع، وفن ثالث مسلسل يبتدر في أثناء هذين المهذبين، والسر كله " أن تكون ملاطفًا لطبعك الجيد ومسترسلا في يد العقل البارع ومعتمدًا على رقيق الألفاظ وشريف الأغراض مع جزولة في معرض سهولة، ورقة في حلاوة بيان، مع مجانبة المجتلب وكراهة المستكره " (١) ويقف التوحيدي في هذا الصدد، موقفًا خاصًا من السجع الذي أكثر منه كتاب القرن الرابع، فيرى ألا يشتط الكاتب في اعتماده، فأنه أن فعل لحق كلامه بكلام الكهان والنسأة أو كلام المستعربين من العجم؛ وليس للكاتب أيضًا أن يهجر السجع البتة، وإنما أن يكون في إنشاءه كالطراز من الثوب، والعلم من المطرف، والخال من الوجه " وقد يسلس السجع في مكان دون مكان، والاسترسال أدل على الطبع، والطبع أعفى، والتكلف مكروه والمتكلف معنى " (٢) .
كيف يكون المرء كاتبًا
ويجيب التوحيدي على السؤال العملي: " كيف يكون المرء كاتبًا " فينص في ذلك على الإخلاص والاستهانة بالجهد وعدم الانقياد لسحر اللفظ قبل الوثوق من حدود المعنى، وعلى العناية بالجمال في التأليف، وعلى التوفيق بين الشكل والمحتوى توفيقًا متلاحمًا لا انفصال فيه، ومما جاء في وصيته هذه: " فمن أوائل تلك العناية جمع بدد الكلام، ثم الصبر على دراسة محاسنه، ثم الرياضة بتأليف ما شاكله كثيرًا أو وقع قريبًا إليه، وتنزيل ذلك على شرح الحال: ان لا يقتصر على معرفة التأليف دون معرفة حسن التأليف، ثم لا يقف مع اللفظ وأن كان نازعًا شيقًا حتى يفلي المعنى فليًا، ويتصفح المغزى صفحًا، ويقضي من حقه ما يلزم في حكم العقل، ليبرأ من عارض سقم، ويسلم من ظاهر استحالة، ويعمد حقيقته أولًا ثم يؤسسه ثانيًا، ليترقرق
(١) البصائر ١: ٣٦٥.
(٢) البصائر ١: ٣٦٦.