للشاعر وتقديره للشعر في آن معًا، وإذا كانت المعاصرة تتحمل الوجه الثاني، فإن التدقيق في هذه العبارات قد ينفي القول بأن كلام أبي حيان تعميمي، لأن كل حكم يرسله يدل على تعمق في الدراسة، مع انتحاء الناحية التصويرية أحيانًا في هذه الأحكام. وحسبك أن تقرأ قوله مثلًا " وأما أبن جلبات فمجنون الشعر " حتى تحس أن جملة مثل هذه تستوعب كثيرًا مما لو أخذ بالتحليل لأفردت له دراسة كاملة، ولكن هل كانت هذه الأحكام تنطبق على هؤلاء الشعراء تمامًا؟ ذلك أمر يعز اليوم القطع به، وحسبنا أن أبا حيان فذ في هذه " الطريقة التصويرية " في النقد؛ تلك الطريقة التي استخدمها أيضًا في الحديث عن الناثرين فقال في الصابي مثلًا: " لا يثب ولا يرسب، ولا يكل ولا يكهم، ولا يلتفت وهو متوجه، ولا يتوجه وهو ملتفت " (١) . وقد حاول من كتبوا " المقامات النقدية " من بعد - كما سنوضح ذلك في موضعه - أن يحتذوا هذه الطريقة، فلم يكن لهم ذكاء أبي حيان ولا جمال تصوره وتصويره.
(ب) تقرير أصول البلاغة وتطبيقها عمليًا:
تقرير مفهوم البلاغة
أورد أبو حيان قول إبراهيم الإمام " يكفي من خط البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع " ثم علق عليه بقوله: " وهذا الحكم من إبراهيم مبتور لان الإفهام قد يقع من الناطق ولا يكون بما أفهم بليغًا، والفهم قد يقع للسامع ممن ليس ببليغ ولا يكون بليغًا، وليس اشتراكهما في التفاهم بلاغة " (٢) . وذهب التوحيدي يحدد البلاغة بأنها تعتمد على الطبع أو على الصناعة أو على الاثنين معًا، وعلى هذا تجيء البلاغة في ثلاثة مستويات؛ بلاغة المطبوع ولا يخلو
(١) الإمتاع ١: ٦٧.
(٢) البصائر ١: ٣٦٢ - ٣٦٣ وقول إبراهيم في البيان ١: ٨٧.