Dalīl al-wāʿiẓ ilā adillat al-mawāʿiẓ
دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ
•
Regions
Egypt
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَلَمَّا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ الْأَيْدِي - وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ - حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا» (صحيح رواه الترمذي وابن ماجه).
(وَمَا نَفَضْنَا) أَيْ مَا خَلَصْنَا مِنْ دَفْنه، مِنْ النَّفْضِ وَهُوَ تَحْرِيكُ الشَّيْءِ لِيَزُولَ مَا عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ وَالْغُبَارِ وَنَحْوِهِمَا (وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ) أَيْ مَشْغُولُونَ بَعْدُ.
(حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا) يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا قُلُوبَهُمْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الصَّفَاءِ وَالْأُلْفَةِ لِانْقِطَاعِ مَادَّةِ الْوَحْيِ وَفِقْدَانِ مَا كَانَ يَمُدُّهُمْ مِنْ الرَّسُولِ ﵌ مِنْ التَّأْيِيدِ وَالتَّعْلِيمِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّصْدِيقِ.
وقيل: لَمْ يُرِدْ عَدَمَ التَّصْدِيقِ الْإِيمَانِيِّ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ وِجْدَانِ النّورَانِيَّةِ وَالصَّفَاءِ الَّذِي كَانَ حَاصِلًا مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَحُضُورِهِ ﵌ لِتَفَاوُتِ حَالِ الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ.
• موتوا على ما مات عليه رسول الله ﵌:
إن كان نبينا محمد ﵌ قد مات فقد ترك لنا دين الحق دين الإسلام؛ فلْنَمُتْ على ما مات عليه ﵌ بلا تبديل ولا تغيير، ولْنُضَحّ في سبيل نصرة هذا الدين.
هذا أنس بن النضر ﵁ قال عنه ابن أخيه أنس بن مالك ﵁: «غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ؛ لَئِنْ اللهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصْنَعُ».
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي أَصْحَابَهُ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ»، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: «يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ».
قَالَ سَعْدٌ: «فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ».
قَالَ أَنَسٌ بن مالك: «فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ»، قَالَ أَنَسٌ: «كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾. (رواه البخاري ومسلم).
إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ: مَحْمُول عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّ اللهُ تَعَالَى أَوْجَدَهُ رِيحهَا مِنْ مَوْضِع الْمَعْرَكَة، وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث أَنَّ رِيحهَا تُوجَد مِنْ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام.
وذكر ابن إسحاق أن أنس بن النضر - عم أنس بن مالك - انتهى يوم أحد إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم فقال: فما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله ﵌.
قال: فما تصنعون بالحياة بعده! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﵌.
ثم استقبل فقاتل حتى قتل، وبه سمى أنس بن مالك».
ولكن الحقيقة أن رسول الله لم يقتل، وخلص المشركون إلى رسول الله، وثبت في وجه العدو وقاتلهم قتالًا شديدًا فظل يرمي بالنبل حتى فني نبله وانكسر قوسه، ثم ظل يرمي بالحجارة حتى دفعهم عنه.
أيها المسلمون موتوا على ما مات عليه رسول الله ﵌، اتبعوا سنته ولا تبتدعوا فقد كُفيتم، ولا تشغلنكم الدنيا عن نصرة دينه؛ إن حال بعضنا ينطبق عليه قول من قال:
تكدّرَ مِن بعدِ النبيِّ محمدِ ... عليه سلامُ اللهِ ما كان صافيَا
فكم مِن منارٍ كان أوضحَه لنَا ... ومِن علمٍ أمسى وأصبح عافيَا
ركنَّا إلى الدنيا الدّنِيَّةِ بعدهُ ... وكَشَفَتِ الأطماعُ مِنا المساوِيَا
وإنا لنَمُرّ في كل يومٍ بنكبةٍ ... نراها فما نزدادُ إلا تَعامِيَا
لقد ساد الصحابة والتابعون يوم أن كانوا أسودًا للإسلام وحماة للدين وسياجًا واقيًا قويًا للعقيدة وذُلِلنا يوم أن اتخذنا العزة بالدنيا والدرهم، وهُنَّا على الله ﷿ وعلى
1 / 379