203

Al-ittijāhāt al-fiqhiyya ʿinda aṣḥāb al-ḥadīth fī al-qarn al-thālith al-hijrī

الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

مصر.

فقد ضعفه المحدثون، بل حكموا عليه بالوضع، فنقل الخطابي عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: «هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَهُ الزَّنَادِقَةُ» (١)، قَالَ فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: «الزَّنَادِقَةُ وَالخَوَارِجُ وَضَعُوا هَذَا الحَدِيثَ». «وَقَدْ عَارَضَ هَذَا الحَدِيثَ قَوْمٌ، فَقَالُوا: نَحْنُ نَعْرِضُهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ [قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَنَعْتَمِدُ عَلَى ذَلِكَ]، [قَالُوا]: فَلَمَّا عَرَضْنَاهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، [وَجَدْنَاهُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ]، لأَنَّا لَمْ نَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ لَا نَقْبَلَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ مَا وَافَقَ [كِتَابَ اللَّهِ]، بَلْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ يُطْلِقُ التَّأَسِّيَ [بِهِ]، وَالأَمْرَ بِطَاعَتِهِ، وَيُحَذِّرُ مِنَ المُخَالَفَةِ عَنْ أَمْرِهِ جُمْلَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ» (٢).
وقد رأى المحدثون أن الاتجاه إلى عرض السنة على القرآن اتجاه خطير، يؤدي إلى القول بترك السنة أصلًا، والاقتصار على الكتاب. وهذا رأي [قَوْمٍ] لا خلاق لهم من الدين خارجين على إجماع المسلمين، وقد أشار الخطابي آنفًا إلى أن هذا هو رأي الخوارج والروافض، ويقرر ابن القيم رأي المحدثين في مناصرته لرأي الإمام أحمد، فيقول: «وَلَوْ سَاغَ رَدُّ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا فَهِمَهُ الرَّجُلُ مِنْ ظَاهِرِ الكِتَابِ لَرُدَّتْ بِذَلِكَ أَكْثَرُ السُّنَنِ، وَبَطَلَتْ بِالْكُلِّيَّةِ. فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ تُخَالِفُ مَذَاهِبَهُ وَنِحْلَتَهُ إلاَّ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَشَبَّثَ بِعُمُومِ آيَةٍ أَوْ إطْلاَقِهَا، وَيَقُولُ: هَذِهِ السُّنَّةُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا الْعُمُومِ وَالإِطْلاَقِ فَلاَ تُقْبَلُ» (٣) (*).
ولعل الخوارج والروافض وغيرهما من الفرق التي عاصرت هذا الخلاف هي التي أدت إلى احتدامه، وحالت دون لقائهما حول معنى

(١) " سنن ابن ماجه بحاشية السندي ": ١/ ٥.
(٢) انظر " الموافقات " للشاطبي: ٤/ ٩. وقد روى ابن حزم بعض طرق الحديث في " الإحكام ": ٢/ ٧٦ - ٨٢ وَبَيَّنَ وجوه ضعفها: " مجمع الزوائد " ١/ ١٥٥، ١٦٩، ١٧٢.
(٣) " إعلام الموقعين " (*).
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) لم أجده في " إعلام الموقعين " لابن القيم، وإنما هو في كتابه " الطرق الحكمية ": انظر " الطرق الحكمية " لابن القيم، تحقيق نايف بن أحمد الحمد: ١/ ١٨٧، مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي - جدة، نشر دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع.

1 / 207