212

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت، فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، قال: قم يا نومان» «٧٨» .
ورواه ابن إسحاق بزيادة: فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جانبي فقلت له من أنت؟ قال: فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون.. فارتحلوا فإني مرتحل» «٧٩» .
وفي صباح اليوم الثاني، كان المشركون كلهم قد ولوا الأدبار، وعاد رسول الله ﷺ وصحبه إلى المدينة.
وكان لا يفتر ﵊ طيلة هذه الأيام والليالي عن الاستغاثة والتضرع والدعاء لله تعالى أن يؤتي المسلمين النصر. وكان من جملة دعائه ﵊ في ذلك: «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم» «٨٠» .
وفي هذه الغزوة فاتت النبي ﷺ الصلاة في وقتها فقضاها بعد خروج الوقت، فقد ورد في الصحيحين أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، فقال: «يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب! .. قال النبي ﷺ: والله ما صليتها، فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» «٨١» وزاد مسلم على هذا حديثا آخر أنه ﷺ قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، ثم صلاها بين العشاءين: بين المغرب والعشاء» .
العبر والعظات:
وهذه الغزوة أيضا- كما ترى- قامت على أساس من غدر اليهود وكيدهم، فهم الذين أثاروا، وألّبوا، وجمعوا الجموع والأحزاب، ولم يتوقف ذلك على بني النضير الذين كانوا قد أخرجوا من

(٧٨) رواه مسلم: ٥/ ١٧٧. ورواية البخاري توهم أن الذي خرج إنما هو الزبير، غير أن ذلك يتعلق بحادثة أخرى، فقد أرسله النبي ﷺ ليعلم له علما عن بني قريظة. أما الذي خرج إلى الأحزاب فهو حذيفة كما نص على ذلك عامة علماء السيرة، وانظر عيون الأثر لابن سيد الناس وفتح الباري لابن حجر.
(٧٩) سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٣١
(٨٠) رواه البخاري.
(٨١) متفق عليه واللفظ للبخاري.

1 / 217