211

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

تكيدها. فعسكروا حول الخندق يحاصرون المسلمين، ولم يحدث قتال غير أن بعض المشركين أخذوا يتيممون مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموا منه، فأخذ عليهم المسلمون الثغرة التي اقتحموا منها، فارتد بعضهم وقتل البعض. وكان ممن قتلوا إذ ذاك عمرو بن ودّ، قتله علي بن أبي طالب ﵁.
هزيمة المشركين بدون قتال: وكفى الله المؤمنين القتال فهزم جموع المشركين بوسيلتين لا دخل للمسلمين فيهما. أما أولاهما فرجل من المشركين اسمه نعيم بن مسعود أتى رسول الله ﷺ مسلما وعرض عليه تنفيذ أي أمر يريده النبي ﷺ فقال له: «إنما أنت رجل واحد فينا، ولكن خذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» .
فخرج نعيم بن مسعود، فأتى بني قريظة فأقنعهم- وهم يحسبونه لا يزال مشركا- أن لا يتورطوا مع قريش في قتال حتى يأخذوا منهم رهائن، كي لا يولوا الأدبار، فيبقوا وحدهم في المدينة دون أي نصير لهم على محمد وأصحابه، فقالوا له: إنه للرّأي! .. ثم خرج حتى أتى قريشا فأنبأهم أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا وأنهم قد اتفقوا خفية مع رسول الله ﷺ على أن يختطفوا عددا من أشراف قريش وغطفان فيسلموهم له ليقتلهم، فإن أرسلت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فإياكم أن تسلموهم رجلا منكم. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم مثل الذي قال لقريش. وهكذا تألب بعضهم على بعض، واختفت الثقة مما بينهم، وأصبح كل فريق منهم يتهم الفريق الآخر بالغدر والخيانة.
أما الوسيلة الثانية، فهي ريح هو جاء مخيفة في ليلة مظلمة باردة، جاءت فقلبت قدورهم واقتلعت خيامهم، وقطعت أوتادهم، وذلك بعد بضعة عشر يوما من المحاصرة التي ضربها المشركون على المسلمين.
روى مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقرّ، فقال رسول الله ﷺ: ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة، فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد، (ردد ذلك رسول الله ثلاثا) ثم قال: قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي. فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ﷺ: ولا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام. فلما

1 / 216