248

Fiqh al-daʿwa fī Ṣaḥīḥ al-Imām al-Bukhārī

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

Publisher

الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢١ هـ

لأن النبي ﷺ، بين أنه لا يبخل عليهم إذا وجد مالا؛ قوله ﷺ: «ثم لا تجدوني بخيلا»، وقد ذكر الله - تعالى - الوعد الحسن وحثّ عليه لمن لم يجد مالا فقال سبحانه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]
وقد نظر ﷺ إلى أحوال المدعوين وأنهم من الأعراب الجفاة فلم يعاقبهم على سوء أدبهم معه ﷺ، وهذا يبيّن، ويوضح لأتباعه أهمية الاقتداء به ﷺ.
تاسعا: من موضوعات الدعوة: الحث على مكارم الأخلاق: في هذا الحديث الشريف دعوة للأمة للتحلِّي بمكارم الأخلاق، وأصول الحِكَم، فقد دعا النبي ﷺ جميع الناس في هذا الحديث وفي غيره إلى التحلي بالشجاعة، والكرم، والجود، والصدق، والصبر والتحمل (١) وذلك بفعله وقوله ﷺ؛ لأن فعله وتقريره، وقوله دعوة لأمته. ودعا الناس في هذا الحديث إلى ترك الكذب، والبخل، والجبن، وذلك بنفيها عن نفسه والتنفير عن هذه الأخلاق الذميمة بقوله ﷺ: «فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا»؛ قال العلامة العيني، رحمه الله تعالى: " وهذا من جوامع الكلم إذ أصول الأخلاق: الحكمة، والكرم، والشجاعة. وأشار بعدم الكذب إلى كمال القوة العقلية: أي الحكمة، وبعدم الجبن إلى كمال القوة الغضبية: أي الشجاعة، وبعدم البخل إلى كمال القوة الشهوية: أي الجود، وهذه الثلاث هي أمهات فواضل الأخلاق، والأول هو مرتبة الصِّدِّيقين، والثاني هو مرتبة الشهداء، والثالث هو مرتبة الصالحين اللهم اجعلنا منهم " (٢).
ودعا ﷺ الأمة كلها جمعاء إلى العمل بهذه المكارم، وحذرها تعريضا وتلميحا في هذا الحديث من مساوئ ومفاسد الأخلاق الذميمة؛ فإن الداعية يجب عليه أن يبتعد عنها وخاصة هذه الخصال المذكورة في الحديث:

(١) انظر: فتح الباري، لابن جحر، ٦/ ٢٥٤، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ٥٤، وعون الباري لحل أدلة البخاري، لصديق بن حسن، ٣/ ٦٢١.
(٢) انظر: عمدة القاري، للعيني ١٤/ ١١٨.

1 / 251