Fath al-Majīd sharḥ kitāb al-tawḥīd
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
Egypt
اعتقاد أن النبي ﷺ يعلم الغيب أو يدخل أحدًا من الخلق الجنة بمشيئته
وكذلك اعتقاد أن النبي ﷺ يعلم الغيب، ومسألة اعتقاد علمه الغيب فيها تفصيل: فإذا كان الإنسان يعتقد أن النبي ﷺ لكونه نبيًا أطلعه الله ﷿ على بعض الأشياء الغيبية فهذا صحيح، فقد أطلعه الله ﷿ على أشياء من علم غيبه سبحانه فرأى الجنة ﵊، ورأى النار وعرج به إلى السماء، فلا مانع من اعتقاد هذه الأشياء، بل من أصول هذا الدين أن يعتقد المسلم أن النبي ﷺ رسول رب العالمين، نزل عليه الوحي من السماء، ونزل عليه القرآن، نزل به جبريل من اللوح المحفوظ في السماء، فهو كونه نبيًا قد مكنه الله ﷿ من أن يرى جبريل وأن ينظر إلى الجنة وأن ينظر إلى النار.
وأما إذا كان يعتقد أن الغيوب التي حجبها الله سبحانه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]، إن كان يعتقد أن النبي ﷺ يعلمها أيضًا فهو يكذب كتاب رب العالمين سبحانه الذي يقول: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ» والذي يعتقد ذلك إنسان مشرك ضال.
فكل نبي من أنبياء الله اسمه نبي، وصفته نبي، وكلمة نبي مأخوذة من النبوءة، والنبوءة هي: الإخبار بالمغيب، فالأنبياء يخبرون عن غيب، ويخبرون عن الله ﷾، والله غيب سبحانه، ويخبرون عن صفاته سبحانه وهي غيب بالنسبة لنا، فالذي يعتقد أن النبي ﷺ علم أشياء من الغيب مثل: صفات الله الغيبية، فهذا صحيح، فهو قد علمها وبلغنا إياها، وقد عرفناها نحن أيضًا بإخبار النبي ﷺ، فهذه من الغيوب التي أطلع الله ﷿ نبيه ﷺ عليها وبلغها للأمة.
أما أن يعتقد أنه ﷺ يعرف الغيب الذي اختص الله به نفسه، فهذا من الشرك بالله سبحانه؛ لأن الله اختص بذلك لنفسه، ولم يطلع أحدًا على ذلك، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا.
ومن الشرك بالله اعتقاد أن النبي ﷺ يجوز السجود له، مع نهيه عن ذلك صلوات الله وسلامه عليه، أو أنه يملك الغوث -لمن يطلب منه ذلك- من دون الله ﷾، أو أنه يقضي حوائج السائلين.
وانظروا للجارية لما قالت في شعرها: وفينا نبي يعلم ما في غد أنكر عليها النبي ﷺ وقال: (لا يعلم ما في غد إلا الله)، وقال ﵊ في حديث آخر: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) صلوات الله وسلامه عليه.
يقول: كذلك من يعتقد أنه ﷺ يفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، فهو يشفع ﷺ ليس فيمن يشاء هو، لكن فيمن يشاء الله سبحانه، يقول تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، لاحظ الفرق الدقيق بين الاثنين، فالله ﷿ يشفع ونبيه ﷺ يشفع ويشفع المؤمنون، فالنبي ﷺ يشفع لمن قال له الله ﷿: اشفع فيهم، ولمن حددهم له ربه سبحانه ممن مات لا يشرك بالله، فيشفع النبي ﷺ في هؤلاء، فلذلك قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، لا نبي ولا ولي ولا أحد أبدًا يشفع عند الله إلا بإذنه.
إذًا: ليس بمشيئته ﵊، ولكن بمشيئة رب العالمين حيث أذن له وقال: (اذهب فأخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) إذًا: بإذن الله سبحانه وبمشيئته وليس بمشيئة النبي ﷺ.
وهذا يتبين لنا كذلك من حديث الشفاعة، كيف أنه يتوجه إلى ربه ويسجد تحت عرشه، فلما يسجد يتركه الله ﷾ ما شاء أن يتركه، لبيان عزة رب العالمين سبحانه، ولبيان أنه وحده الذي يملك أن يأذن في الشفاعة أو عدمها.
ثم يفتح على نبيه ﷺ بمحامد يعلمه إياها لا يعرفها الآن، ولكن يوم القيامة يلهمه الله كيف يحمده فله الفضل أولًا وآخرًا ﷾.
فهذا المقصود من كلام ابن عبد الهادي.
ومن الشرك قوله: ويدخل الجنة -أي النبي ﷺ من يشاء، فالله سبحانه هو الذي يملك أن يدخل من يشاء الجنة وأن يدخل من يشاء النار، لكن النبي ﷺ يعطيه الله ﷿ الشفاعة، ويحد له حدودًا أنه في الوقت كذا اشفع لهؤلاء، وأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم يقول في النهاية: (شفع أنبيائي وشفعت ملائكتي، وشفع الأولياء ولم يبق إلا أرحم الراحمين ﷾ فيقبض قبضة من أهل النار قد استوجبوا العذاب ويدخلهم الجنة ﷾ فهؤلاء ما شفع فيهم نبي ولا ولي ولا ملك ولا غيره، ولكن أرحم الراحمين ﷾ أدخلهم الجنة بفضله وبرحمته ﷾.
13 / 10