Fath al-Majīd sharḥ kitāb al-tawḥīd
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
Egypt
المسجد الذي أسس على التقوى
ثم عظم الله شأن مسجد قباء ومسجد النبي ﷺ فقال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
فالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، قالوا: هو مسجد قباء.
وقالوا: هو مسجد النبي ﷺ.
وقيل غير ذلك، والنبي ﷺ أول ما نزل في المدينة على الأنصار خط في المكان الذي نزل فيه مسجدًا ﵊، فأي مسجد خطه النبي ﷺ وبناه فهو مسجد أسس على التقوى من أول يوم، وقد سئل النبي ﷺ عنه، فقد جاء في حديث أبي سعيد قال: (تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم.
فقال رجل: هو مسجد قباء.
وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ.
فقال رسول الله ﷺ: هو مسجدي هذا).
وقباء كان قبل المسجد النبوي ولكن أشار النبي ﷺ إلى مسجده أنه أسس على التقوى من أول يوم وذلك لا ينافي أن قباء أيضًا كذلك وإنما فضل مسجد النبي ﷺ على غيره، وكان النبي ﷺ يزور مسجد قباء في كل سبت ويصلي فيه ركعتين صلوات الله وسلامه عليه ويقول: (صلاة في مسجد قباء كعمرة).
وفي الصحيح: (أن رسول الله ﷺ كان يزور قباء راكبًا وماشيًا).
فذهب بعض أهل العلم إلى أنه هو المسجد الذي أسس على التقوى ومنهم ابن عباس وعروة وعطية والشعبي والحسن وغيرهم، والحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري يبين أنه مسجد النبي ﷺ.
ومسجد النبي ﷺ أعظم من غيره.
وإذا قيل: هو مسجد أسس التقوى فلا شك في أنه أسس على التقوى وقد أشار إليه النبي ﷺ، ومسجد قباء كذلك أسس على التقوى من أول يوم وكان قبل بناء مسجده ﵊.
فالغرض أن كلا المسجدين قد أسس على التقوى وقد مدح الله ﷿ قباء وإن كان النبي ﷺ أشار إلى الثاني وهو المسجد النبوي.
قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
وقد روى الإمام أحمد وابن خزيمة عن عوين بن ساعدة الأنصاري: (أن النبي ﷺ أتاه في مسجد قباء فقال: إن الله قد أحسن عليكم الثناء بالطهور في قصة مسجدكم).
وهذا بيان أن مسجد قباء أسس على التقوى؛ لأنه هنا متعلق بالآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] فالحديث هنا يبين أنه مسجد قباء أيضًا، قال النبي ﷺ لهم: (إن الله قد أحسن عليكم الثناء بالطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تتطهرون به؟) والطهور بمعنى: التطهر، والطهور بمعنى: الآلة المستخدمة في التطهر.
فيكون الطهور الوضوء أو الغسل أو التنظف بالاستنجاء ونحوه.
والطهور: الماء الذي يستخدم في ذلك.
فهنا أثنى عليهم الله ﷿ بالطهور، فقال هنا: (ما هذا الطهور الذي تتطهرون به؟ فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا.
فقال النبي ﷺ: هو ذاك فعليكموه).
والحديث له أسانيد حسنة وذكر الألباني في الإرواء أنه صحيح.
والحديث فيه أن الله ﷿ قال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] وذكر في الحديث هنا أن النبي ﷺ قال ذلك لأهل مسجد قباء فدل على أن مسجد قباء مقصود بهذه الآية، ومسجد قباء الصلاة فيه ركعتين كعمرة لكنه لا يعدل فضيلة مسجده ﵊، فإذا كان مسجد قباء أسس على التقوى فمسجده من باب أولى فلذلك أشار النبي ﷺ إلى أن هذا المسجد هو المسجد النبوي.
فدل الحديثان على أن مسجد قباء أسس على التقوى ومسجده ﵊ أيضًا أسس على التقوى.
والمدح لأهل قباء وهم من الأنصار والأنصار كانوا معاشرين لليهود في المدينة، وكانت عادة القرشي أنه إذا أتى الغائط أو أتى البول استجمر بعده لقلة المياه عندهم، وقد علمهم النبي ﷺ استخدام ثلاثة أحجار في التنزه وما كانوا يعتادون استخدام الماء في مكة لأنه إن وجد فيكون قليلًا ونادرًا، لكن في المدينة كان أحدهم إذا أتى الغائط يستجمر بالحجر ثم يستنجي بالماء، وكأنه بالحجر يخفف وبالماء يزيل ما تبقى، فمدحهم الله ﷿ على حبهم للتطهر ومدحهم النبي ﷺ حين قالوا: كنا نتبع الحجارة الماء، ليكون أنقى.
فقال النبي ﷺ: (هو ذاك فعليكموه).
ولما ذكر الله ﷿ مسجد الضرار قال للنبي ﷺ: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة:١٠٧] والمنافقون كذابون، فكانوا يكذبون على النبي ﷺ، بل سيكذبون على الله يوم القيامة.
فقال الله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:١٠٧] أي: يحلفون لك كذبًا أنهم أسسوا هذا المسجد للتقوى وللعبادة والله يشهد إنهم لكاذبون، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
12 / 7