Fatāwā Qāḍīkhān
فتاوى قاضيخان
( * فصل فيما يضمن المودع *) إذا قال المودع وضعت الوديعة في مكان حصين فنسيت قال بعضهم كان ضامنا لأنه جهل الأمانة فيضمن كما لو مات مجهلا وهو كرجل عنده غنم لقوم اختلطت ولا يعرفها فإنه يكون ضامنا * وقال انتقيه أبو الليث رحمه الله تعالى إنقال وضعت الوديعة في داري فنسيت المكان لا يكون ضامنا * ولو قال لاأدري وضعتها في داري أو في موضع آخر كان ضامنا وهكذا روى عن أبي يوسف رحمه الله تعالى * ولو قال وضعت الوديعة في مكان بين يدي ثم قمت فنسيتها أو قال سقطت مني قال الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله تعالى يضمن * وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى إن قال سقطت مني لا يضمن * ولو قال بالفارسية بيغكندم يكون ضامنا وإن قال بيفتاد أزمن لا يضمن * وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى قد قال بعض أصحابنا إذا قال ذهبت الوديعة ولا أدري كيف ذهبت كان القول قوله مع يمينه ولا ضمان عليه وبه نأخذ قال رضي الله عنه وفي عرفنا لا فرق بين قوله بيفكندم وقوله بيفتاد أزمن لا يكون ضامنا على كل حال * ولو قال لا أدري كيف ذهبت قال بعضهم يكون ضامنا بخلاف ما لو قال ذهبت ولا أدري كيف ذهبت * وقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى الأصح أنه لا يضمن على كل حال سواء قال ذهبت ولا أدري كيف ذهبت أو قال لا أدري كيف ذهبت ولم يزد عليه * رجل دفع إلى دلال ثوبا ليبيعه ثم قال الدلال وقع الثوب من يدي ولا أدري كيف ضاع قال الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى لا ضمان عليه * ولو قال نسيت ولا أدري في أي حانوت وضعت يكون ضامنا * نجار أودع عند رجل زنبيلا فيه آلات النجارين ثم ادعى أنه كان فيه قدوم وطلب منه فقال المودع لا أدري ما كان فيه قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى لا ضمان عليه ولا يمين حتى يدعى عليه أنه رفعه أو ضيعه فحينئذ يحلف فإن حلف برئ وإن نكل ضمن * رجل أودع كيسا فيه دراهم عند رجل ولم يزن عليه ثم ادعى صاحب الوديعة الزيادة قالوا لا ضمان عليه ولا يمين حتى يدعى عليه التضييع أو الخيانة أو نحو ذلك * وعن نصير رحمه الله تعالى أنه كتب إلى ابن شجاع رحمه الله تعالى في مودع بقول دفنت الوديعة ونسيت موضعها فأجاب وقال إن دفنها في داره لم يضمن وإن دفنها في غير داره ضمن قيل فإن دفنها في كرمه فسرق قال إن كان له باب فليس بتضييع وإلا فهو تضييع * وكذا الدار إذا لم يكن لها باب * رجل عنده وديعة فقال لا أدري أضيعت أم لم تضيع قالوا يكون ضامنا * ولو قال لا أدري أضاعت أم لم تضع لا يكون ضامنا * ولو قال هلكت الوديعة عندي ثم قال رددت عليك يكون ضامنا ولا يقبل قوله في الرد لأنه متناقض * رجل دفع جواهر إلى رجل ليبيع فقال القابض أنا أريها تاجرا لأعرف قيمتها فضاع الجوهر قبل أن يريه قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى إن ضاعت أو سقطت بحركته يكون ضامنا * وإن سرقت منه أو بمزاحمة أصابته من غيره لا يضمن * رجلان ادعى كل واحد منهما على رجل وديعة ويقول أودعت عنده كذا فقال المودع لا أدري أيكما استودعني فإنه يحلف لكل واحد منهما أنه ما أودعه عنده فإن أبى أن يحلف أعطى الوديعة لهما ويضمن لهما مثلها لأنه أتلف الوديعة بالتجهيل * بخلاف ما لو قال ذهبت الوديعة ولا أدري كيف ذهبت فإنه لا يضمن لأن ذهاب الوديعة ليس بفعله وجهله عائد إليه * إذا مات المودع واختلف صاحب الوديعة مع الورثة فقال صاحب الوديعة مات مجهلا للوديعة فصارت الوديعة دينا في تركته وقالت الورثة كانت الوديعة قائمة بعد ما مات قال ابن شجاع رحمه الله تعالى على قياس قول أصحابنا رحمهم الله تعالى يجب أن يكون القول قول الطالب ويجب الضمان في مال الميت وعلى قياس قول أبي يوسف رحمه الله تعالى يجب أن يكون القول قول الورثة مع اليمين لأن الوارث قائم مقام المورث * إذا انشق كيس الوديعة في صندوق المودع واختلطت الوديعة بدراهمه لا يضمن المودع ويكون المختلط مشتركا بينهما بقدر ملكهما فإن هلك بعضها بعد ذلك هلك من مالهما جميعا ويقسم الباقي بينهما على ما كان * وإن فعل ذلك أحد ممن هو في عيال المودع لا يضمن المودع حرا كان الخالط أو عبدا صغيرا أو كبيرا ويضمن الذي خلط يستوي فيه الصغير والكبير * الوديعة إذا كانت دراهم أو دنانير أو شيئا مما يكال أو يوزن فأنفق المودع طائفة منها ضمن ما أنفق ولا يضمن الباقي فإن جاء المودع بمثل ما أنفق فخلطه بالباقي كان ضامنا للكل لأن ما جاء به ماله فصار خالطا ماله بالوديعة * ولو أخذ المودع بعض الوديعة لينفقها في حاجته ثم بدا له أن لا ينفق فرده إلى موضعه ثم ضاعت الوديعة لا يضمن المودع * إذا قال بعثت بالوديعة إليك مع رسولي وسمى بعض من في عياله فهو كقوله رددتها عليك فيمون القول قوله مع اليمين * وإن قال بعثت بها إليك مع أجنبي كان ضامنا إلا أن يقر صاحب الوديعة أنها وصلت إليه * ولو قال المودع بعثت بها إليك مع هذا الأجنبي أو استودعتها إليه ثم ردها علي فضاعت عندي لا يصدق ويصير ضامنا إلى أن يقيم البينة على ذلك فيبرأ عن الضمان * إذا طلب صاحب الوديعة وديعته فجحد وقال لم تودعني يكون ضامنا فإن جحدها لا في وجه المودع بأن قال له إنسان ما حال وديعة فلان عندك فجحد أو جحد في وجه المودع من غير أن يطالبه بالرد بأن قال ما حال وديعتي عندك فجحد قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى فيه خلاف بين أبي يوسف وزفر رحمهما الله تعالى * على قول زفر رحمه الله تعالى يكون ضامنا وعلى قول أبو يوسف رحمه الله تعالى لا يكون ضامنا * وذكر الناطفي رحمه الله تعالى إذا جحد المودع الوديعة بحضرة صاحبها يكون ذلك فسخا للوديعة حتى لو نقلها المودع من الموضع الذي كانت فيه حالة الجحود ويضمن وإن لم ينقلها عن ذلك المكان بعد الجحود فهلكت لا يضمن * صاحب الوديعة إذا طالب المودع بالرد جحد فأقام صاحب الوديعة بينة أنه استودعه كذا ثم أقام المودع البينة أنها ضاعت عنده لا تقبل بينته ويكون ضامنا * وكذا لو أقام المودع البينة أنها كانت ضاعت قبل الجحود وذكر في المنتقى إذا جحد المودع الوديعة ثم ادعى أنه رد الوديعة بعد ذلك فأقام البينة قبلت بينته * وكذا لو أقام البينة أنه ردها قبل الجحود وقال إنما غلطت في الجحود أو نسيت أو ظننت أنني رددت حين دفعتها إلي وأنا صادق في قولي هذا قبلت بينته في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى * ولو طالب المودع برد وديعته فقال لم تودعني شيئا ثم قال بل أودعتني ولكنها هلكت ذكر في الكتاب أنه يكون ضامنا وإن قال المودع أولا قد أعطيتكها ثم قال بعد أيام لم أعطكها ولكنها ضاعت لا يقبل قوله ويكون ضامنا * وقال عيسى بن أبان رحمه الله تعالى لا يضمن والصحيح ما ذكر في الكتاب * ولو قال بعد موت المودع رددتها على الوصي كان القول قوله مع اليمين ولا يضمن * ولو قال الرجل لغيره استودعتني ألفا فضاعت وقال الطالب كذبت بل غصبتها مني كان القول قول المستودع ولا ضمان عليه * ولو قال المستودع أخذتها منك وديعة وقال صاحب المال بل غصبتني كان ضامنا * ولو قال رب المال أقرضتكها قرضا وقال المستودع بل وضعتها عندي وديعة أو قال أخذتها منك وديعة وقد ضاعت قبل قوله ولا ضمان عليه * رجل أودع رجلا ألف درهم وله على المستودع ألف درهم دين فأعطاه ألف درهم ثم اختلفا بعد أيام فقال الطالب أخذت الوديعة والدين غليك وقال المستودع أعطيت القرض وضاعت الوديعة كان القول قول المستودع ولا شيء عليه لأنه هو الدافع * رجل أقام البينة على مودع أن صاحب الوديعة وكله بقبض الوديعة منه ووقت لذلك وقتا ثو إن المودع أقام البينة أن صاحب الوديعة أخرجه من الوكالة قبلت بينته * وكذا لو أقام البينة أن شهود الوكيل عبيد قبلت بينته * رجل استقرض من رجل عشرين درهما فآتاه المقرض مائة درهم وقال خذ منها عشرين قرضا والباقي عندك وديعة ففعل ثم أعاد العشرين التي أخذها في المائة ثم دفع إليه رب المال أربعين درهما فقال اخلطها بتلك الدراهم ففعل ثم ضاعت الدراهم كلها فإنه لا يضمن الأربعين ويضمن بقيتها أما البقية فلأن العشرين قرض والقرض مضمون على المستقرض فإذا خلط العشرين التي هي ملكه بالوديعة فصار مستهلكا للوديعة ولا ضمان عليه في الأربعين لأنه خلط الأربعين بإذن مالكها * ولو استقرض من رجل خمسين درهما فأعطاع ستين غلطا فأخذ منه العشرة ليردها على صاحبها فهلكت في الطريق كان على المستقرض خمسة أسداس العشرة لأن ذلك القرض والباقي وديعة وكذا لو هلك الباقي يضمن خمسة أسداسه * ولو دفع إلى رجل عشرة دراهم وقال ثلاثة من هذه العشرة لك والسبعة الباقية سلمها إلى فلان فهلكت الدراهم في الطريق يضمن الثلاثة لأنها كانت هبة فاسدة * ولو كان مكان الهبة وصية من الميت لم يضمن لأن وصية المشاع جائزة ولا يضمن السبعة في الوصية والهبة جميعا لأنها أمانة في يده * إذا دفع المودع الوديعة لإلى من ليس في عياله أو وضعها فيما لا يحرز فيه ماله أو كانت الوديعة دابة فركبها أو حمل عليها أو كانت الوديعة عبدا فاستخدمه أو ثوبا فلبسه أو شيئا يفترش فافترشه ثم أعادها إلى يده وردها إلى الحالة الأولى برئ من الضمان عندنا * وإن أخرجها عن يده عند الضرورة بأن وقع الحريق في داره فخاف عليها الحرق أو كانت الوديعة معه في سفينة فلحقه غرق أو خرج اللصوص وخاف عليها وما أشبه ذلك فدفعها إلى غيره لا يكون ضامنا وللمودع أن يسافر بمال الوديعة عندنا إذا لم يكن لها حمل ومؤنة * وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ليس له ذلك فإن نهاه أن يسافر بالوديعة فسافر بها فهلكت كان ضامنا عند الكل * وأجمعوا على أن للأب والوصي أن يسافرا بمال اليتيم ولا يصيران ضامنين والوكيل بالبيع إذا سافر بما وكل ببيعه إن قيد الوكالة بمكان بأن قال بعه بالكوفة فأخرجها من الكوفة يصير ضامنا وإن أطلق الوكالة فسافر به إن كان شيئا له حمل أو مؤنة يكون ضامنا وإن لم يكن له حمل ومؤنة فلا يصير ضامنا عندنا إذا لم يكن له بد من السفر وإذا كان له بد من السفر لا يكون ضامنا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى طال الخروج أم قصر وقال محمد رحمه الله تعالى يكون ضامنا طال الخروج أم قصر * وقال ظابو يوسف رحمه الله تعالى إن طال الخروج يكون ضامنا وإن قصر لا يكون ضامنا * هذا إذا كان الطريق آمنا فإن كان مخوفا وله بد من السفر يكون ضامنا عند الكل * وكذا الأب والوصي * وإن لم يكن له بد من السفر إن سافر بأهله لا يضمن وإن سافر بنفسه يكون ضامنا * وللمودع أن يدفع الوديعة إلى من كان في عياله إذا لم يكن المدفوع إليه متهما بأن كان المدفوع إليه زوجته أو ولده أو والده إذا لم يكن متهما يخاف منه على الوديعة وله أن يدفع إلى أجيره الخاص وهو الذي استأجره مشاهرة أو مسانهة ليسكن معه وتفسير من في عياله في هذا الحكم أن يكون ساكنا معه كان في نفقته أو لم يكن فإن الابن إن كان ساكنا مع والديه ولم يكن في نفقتهما فخرجا من المنزل وتركا المنزل على الابن فضاعت الوديعة التي كانت في المنزل لا يضمنان ومن تجري عليه نفقته لا يكون في عياله إذا لم يكن ساكنا معه *
Page 225