223
١٤٧ - صلاة الجنازة
يقول السائل: إنه سمع أحد الوعاظ يذكر صلاة النبي ﷺ على النجاشي ويقول إن جثمان النجاشي أحضر أمام النبي ﷺ وأن ذلك كان من خصوصياته ﷺ فما قولكم في ذلك؟
الجواب: وردت روايات كثيرة في صلاة النبي ﷺ على النجاشي منها: ١. روى الإمام البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث". ٢. وروى الإمام البخاري بسنده عن عطاء أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ: قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلم فصلوا عليه قال فصففنا فصلى النبي ﷺ عليه ونحن صفوف". ٣. وروى الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: نعى النبي ﷺ النجاشي ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعًا". ٤. وروى الإمام مسلم بسنده عن أبي الزبير عن جابر ابن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "إن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه. قال فقمنا فصفنا صفين". وغير ذلك من الروايات التي تثبت أن النبي ﷺ قد صلى على النجاشي صلاة الغائب. وقد زعم بعض أهل العلم أنه قد جيىء بجثمان النجاشي أمام النبي ﷺ أو أنه أريه فقالوا إن الأرض دحيت له ﷺ جنوبًا وشمالًا حتى رأى نعش النجاشي كما دحيت له جنوبًا وشمالًا حين رأى المسجد الأقصى صباح ليلة الإسراء والمعراج حين وصفه لكفار قريش. تفسير القرطبي ٢/٨١-٨٢. قال ابن عابدين (لأنه رفع سريره - أي النجاشي- حتى رآه ﵊ بحضرته فتكون صلاة من خلفه على ميت يراه الإمام وبحضرته دون المأمومين وغير مانع من الإقتداء) حاشية ابن عابدين ٢/٢٠٩ وأيدوا قولهم بما ورد من حديث عمران بن حصين ﵁ (أن النبي ﷺ قال: إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا فصلوا عليه فقام رسول الله ﷺ وصفوا خلفه فكبر أربعًا وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه) رواه ابن حبان وإسناده صحيح كما قال الشيخ الأرناؤوط، صحيح ابن حبان ٧/٣٦٩. وهذا الإدعاء غير مسلم لأن الأصل عدم الخصوصية. قال الإمام الخطابي (وزعموا أن النبي ﷺ كان مخصوصًا بهذا الفعل إذ كان في حكم المشاهدين للنجاشي لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له أعلام الأرض حتى كان يبصر مكانه. وهذا تأويل فاسد لأن رسول الله ﷺ إذا فعل شيئًا من افعاله الشريفة كان علينا متابعته والإيتساء به والتخصيص لا يعلم إلا بدليل. ومما يبين ذلك أنه ﷺ خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم فصلوا معه فعلمت ان هذا التأويل فاسد) معالم السنن ١/ ٢٧٠- ٢٧١. وقال الإمام البغوي (وزعموا ان النبي ﷺ كان مخصوصًا به. وهذا ضعيف لأن الإقتداء به في أفعاله واجب على الكافة ما لم يقم دليل التخصيص ولا تجوز دعوى التخصيص هاهنا لأن النبي ﷺ لم يصل عليه وحده إنما صلى مع الناس) شرح السنة ٥/٣٤١-٣٤٢. وقال صاحب عون المعبود: (قلت دعوى الخصوصية ليس عليها د ليل ولا برهان بل قوله ﷺ "فهلموا فصلوا عليه" وقوله "فقوموا فصلوا عليه" وقول جابر "فصففنا خلفه فصلى عليه ونحن صفوف" وقول أبي هريرة "ثم قال استغفروا له ثم خرج بأصحابه فصلى بهم كما يصلى على الجنازة" وقول عمران "فقمنا فصففنا عليه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت" وتقدم هذه الروايات يبطل دعوى الخصوصية لأن صلاة الغائب إن كان خاصة بالنبي ﷺ فلا معنى لأمره ﷺ بتلك الصلاة بل نهى عنها لأن ما كان خاصًا به ﷺ لا يجوز فعله لأمته. ألا ترى صوم الوصال لم يرخص لهم به مع شدة حرصهم لأدائه والأصل في كل أمر من الأمور الشرعية عدم الخصوصية حتى يقوم الدليل عليها وليس هنا دليل على الخصوصية بل قام الدليل على عدمها) عون المعبود ٩/٩.
وأما قولهم إن الأرض دحيت للنبي ﷺ فرأى نعش النجاشي أو أحضر النعش بين يدي النبي ﷺ، فكلام ينقصه الدليل وقد ردّ ذلك كثير من أهل العلم: قال الإمام النووي (إنه لو فتح هذا الباب لم يبق وثوق بشيء من ظواهر الشرع لاحتمال انحراف العادة في تلك القضية مع أنه لو كان شيء من ذلك لتوفرت الدواعي بنقله) المجموع ٥/٢٥٣ وانظر المغني ٢/٣٨٢.. وقال الإمام ابن العربي المالكي جوابًا على هذا الزعم بأن الأرض طويت وأحضرت الجنازة بين يديه ﷺ (قلنا إن ربنا عليه لقادر وإن نبينا لأهل لذلك ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا تخترعوا من عند أنفسكم ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف فإنها سبيل تلاف إلى ما ليس له تلاف) عارضة الأحوذي ٤/٢٦٠. وقال شمس الحق العظيم آبادي (وأما قولهم رفع له سريره أو أحضر روحه بين يديه فجوابه: أن الله ﵎ لقادر عليه وأن محمدًا ﷺ لأهل لذلك لكن لم يثبت ذلك في حديث النجاشي بسند صحيح أو حسن وإنما ذكره الواحدي عن إبن عباس بلا سند فلا يحتج به. ولهذا قال ابن العربي: ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف. وأما ما رواه أبو عوانه وإبن حبان من حديث عمران بن حصين، فلا يدل على ذلك فإن لفظه "وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه” وفي لفظ “ونحن لا نرى إلا الجنازة قدامنا” ومعنى هذا القول أنا صلينا عليه خلف النبي ﷺ كما يصلي على الميت والحال أنا لم نر الميت لكن صففنا عليه كما يصف على الميت كأن الميت قدامنا ونظن أن جنازته بين يدي ﷺ لصلاته ﷺ كعلى الحاضر المشاهد فحينئذ يؤول معنى لفظ هذا الحديث الى معنى لفظ أحمد ويؤيد هذا المعنى حديث مجمع عند الطبراني “فصففنا خلفه صفين وما نرى شيئا" عون المعبود ٩/٩-١٠.. وخلاصة الأمر أن ما ادعاه الواعظ المشار إليه غير صحيح والصواب أن النبي ﷺ قد صلى على النجاشي صلاة الغائب.

6 / 147