195
طِينَة آدم وَلَا شكّ أَن الْجِنْس أرْحم لجنسه من غَيره فَفِي الجريدة من زِيَادَة الحنو على الْآدَمِيّ لما بَينهمَا من الِاتِّحَاد مَا لَيْسَ فِي غَيرهَا وَيلْزم من زِيَادَة حنوها كَثْرَة التَّسْبِيح المخفف للعذاب أَو سُؤال التَّخْفِيف لأَنا إِذا جرينا على مَا مر عَن الْمُحَقِّقين أَن الجمادات تسبح الله بِلِسَان الْمقَال لَا يبعد أَنَّهَا تسْأَل الله فِي رَحْمَة بعض الْمُكَلّفين إِذْ يلْزم من تسبيحها بِلِسَان الْمقَال أَن فِيهَا إدراكا وَلَا يبعد من ذَوي الْإِدْرَاك أَن يسْأَل لقريبه مَا يَنْفَعهُ وَبِمَا قَرّرته يعلم أَنه يسن لكل أحد اتبَاعا لَهُ ﷺ فَإِن الأَصْل فِي أَفعاله ﷺ التأسي إِلَّا مَا دلّ دَلِيل على الخصوصية وَلَا دَلِيل هُنَا عَلَيْهَا فندب لنا التأسي بِهِ ﷺ فِي ذَلِك وَأَن لما يفعل الْعَامَّة من فرش الخوص وَهُوَ سعف الجريد فِي الْقُبُور وَجها خلافًا لما مر عَن بعض الشُّرَّاح وَذَلِكَ لما تقرر أَن بَين النَّخْلَة بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا والآدمي تَمام الْمُنَاسبَة فَإِذا كَانَ مَعَه من أَجْزَائِهَا شَيْء فِي قَبره كثر تسبيحه فَيحصل لَهُ بذلك أنس أَو تَخْفيف ثمَّ رَأَيْتنِي ذكرت فِي الْفَتَاوَى سؤالا وجوابا يعلم مِنْهُ مَا قَدمته من ندب التأسي بِهِ ﷺ فِي ذَلِك وَأَن لما يَفْعَله الْعَامَّة مِمَّا مر وَجها وجيها فالسؤال هَل يفرش من الريحان وَنَحْوه على متن الْقَبْر أَو مَا فِيهِ اللَّحْد وَالْجَوَاب استنبط الْعلمَاء من غرسه ﷺ للجريدتين على الْقَبْر غرس الْأَشْجَار والرياحين وَلم يبينوا كيفيته لَكِن فِي الصَّحِيح أَنه ﷺ غرس فِي كل قبر وَاحِدَة فَيشْمَل الْقَبْر كُله فَيحصل الْمَقْصُود بِأَيّ مَحل مِنْهُ نعم أخرج عبد بن حميد فِي مُسْنده أَنه ﷺ وضع الجريدة على الْقَبْر عِنْد رَأس الْمَيِّت فِي الْقَبْر وَالله ﷾ أعلم (وَسُئِلَ) فِي صَحِيح البُخَارِيّ كَانَت عَائِشَة تحدث أَن النَّبِي ﷺ قَالَ بَعْدَمَا دخل بَيته وَاشْتَدَّ وَجَعه أهريقوا على من سبع قرب لم تحلل أَو كيتهن لعَلي أَعهد إِلَى النَّاس فاجلس فِي مخضب لحفصة زوج النَّبِي ﷺ ثمَّ طفقنا نصب عَلَيْهِ حَتَّى طفق يُشِير إِلَيْنَا أَن قد فعلتن ثمَّ خرج إِلَى النَّاس مَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك وَفِي تَخْصِيص السَّبع (فَأجَاب) إِنَّمَا طلب ﷺ ذَلِك لِأَن المَاء الْبَارِد ينفع بعض الْأَمْرَاض بتَخْفِيف حرارته وَزِيَادَة الْقُوَّة بِسَبَبِهِ وينعش نفس الْمَرِيض ويزيل مَا بهَا من كرب الْحمى والوجع وَبِه يقوى الحنار الغريزي فيقهر الْمَرَض ويضعف عمله فَكَانَ فِي طلبه ﷺ لذَلِك بَيَان مَشْرُوعِيَّة التَّدَاوِي وَالرَّدّ على من زعم أَن التَّدَاوِي يُنَافِي التَّوَكُّل وَمن ثمَّ كَانَ أحسن حُدُود التَّوَكُّل وأجمعها أَنه مُبَاشرَة الْأَسْبَاب مَعَ شُهُود الْمُسَبّب وَلَا يُنَافِي ذَلِك قَول أَئِمَّتنَا ترك التَّدَاوِي توكلا فَضِيلَة لأَنهم لم يَقُولُوا أفضل وَأَيْضًا فمحله فِي غير من بعث لتشريع الْأَحْكَام وَمن ثمَّ لما قيل للصديق ﵁ وكرم وَجهه أَلا نَدْعُو لَك الطَّبِيب فَقَالَ الطَّبِيب أَمْرَضَنِي إِشَارَة إِلَى ترك التَّدَاوِي توكلا وتسليما وَأما النَّبِي ﷺ فمبعوث لبَيَان الْأَحْكَام تشريعا بالْقَوْل تَارَة وبالفعل أخري فَلَو ترك ﷺ ذَلِك لربما توهم أَن فِي التَّدَاوِي محذورا فَفعله ليبين بِهِ أَن لَا مَحْذُور فِيهِ وَأَنه لَا يخل بالتوكل وَأَن الْإِنْسَان مُخَيّر بَين فعله وَتَركه توكلا وَمن ثمَّ كَانَ فِي الحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنه يَنْبَغِي صب المَاء الْبَارِد على الْمَرِيض حَيْثُ كَانَ يَنْفَعهُ بِمَعْرِفَة نَفسه أَو بقول طَبِيب عدل بنية التَّدَاوِي وَقصد الشِّفَاء وَحِكْمَة السَّبع أَن هَذَا الْعدَد فِيهِ بركَة بالاستقراء وَله دخل فِي إِزَالَة السمُوم أَو تَخْفيف ألمها وَهُوَ ﷺ فِي ذَلِك الْمَرَض كَانَ تحرّك عَلَيْهِ ذَلِك السم الَّذِي أَصَابَهُ من أَكلَة خَيْبَر كَمَا صَحَّ عَنهُ ﷺ الْأَخْبَار بذلك فَأَمرهمْ أَن يفرغوا عَلَيْهِ من تِلْكَ الْقرب السَّبع ليزول بذلك بعض ذَلِك السم الَّذِي تحرّك عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَلهَذَا الْعدَد شَأْن عَظِيم لوُقُوعه فِي كثير من أعداد عظائم الْمَخْلُوقَات كالسموات وَالْأَرْض وأبواب جَهَنَّم وَبَعض الْأُمُور الشَّرْعِيَّة كَمَا لَا يخفى وَحِكْمَة التَّقْيِيد بِعَدَمِ حل الأوكية أَنه يكون أبلغ فِي طَهَارَته وصفائه لعدم مُخَالطَة الْأَيْدِي لَهُ وَأَيْضًا فالقرب إِنَّمَا كَانَت توكؤ وَتحل على ذكر الله تَعَالَى فَاشْترط كَونهَا لم تحل لِأَنَّهَا تجمع بركَة الذّكر فِي شدها وحلها قَالَ الْمُهلب أمره ﷺ بالصب عَلَيْهِ على وَجه التَّدَاوِي كَمَا صب ﷺ وضوءه على الْمغمى عَلَيْهِ وَغلط من قَالَ أَن الصب كَانَ للاغتسال من إغمائه وَالله ﷾ أعلم (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَنه دخل رجل الْمَسْجِد وَرَسُول الله ﷺ يرمقه وَلَا يشْعر ثمَّ انْصَرف فَأتى رَسُول الله ﷺ فَسلم

1 / 196