وَالثَّانِي: فِي الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِذَا ثَبَتَتِ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ، لَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا فِي الْفَرْعِ، إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْأَمْرُ بِالْقِيَاسِ، وَالِاجْتِهَادُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ إِنَّمَا هُوَ فِي ثُبُوتِ صِدْقِ الرَّاوِي، فَإِذَا ثَبَتَ صِدْقُهُ مِنْ طَرِيقٍ يُوجِبُ الظَّنَّ لَزِمَ الْمَصِيرُ إِلَى خَبَرِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ آخَرَ يَحْتَاجُ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَلِأَنَّ طَرِيقَ ثُبُوتِ صِدْقِهِ فِي الظَّاهِرِ أَجْلَى مِنْ طَرِيقِ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ، لِأَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ عَادَتُهُ فِي الزَّمَانِ الطَّوِيلِ فِي اتِّبَاعِ الطَّاعَاتِ، وَتَحَرَّي الصِّدْقِ، وَتَجَنُّبِ الْإِثْمِ، فَتَدُلُّ هَذِهِ الْعَادَةُ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارٌ لِلصِّدْقِ فِيمَا حَدَّثَ بِهِ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ طَرِيقِ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الْمُخَالِفُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَتَعَلَّقُ بِاسْتِدْلَالِ الْقَائِسِ وَصِدْقِ الرَّاوِي مُغَيَّبٌ عَنْهُ، فَهُوَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُ مُسْتَدَلٌّ عَلَى صِدْقِ الرَّاوِي بِمَا يُعْلَمُ مِنْ أَفْعَالِهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ، كَمَا أَنَّ الْقِيَاسَ مُسْتَدَلٌّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ حَكَمَ فِي الْأَصْلِ لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي وَقَصَدَهُ، فَيَكُونُ ثُبُوتُ قَصْدِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ بِالنَّظَرِ فِي الْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، كَثُبُوتِ صِدْقِ الرَّاوِي، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا
فَصْلٌ وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَقَدْ قَالَ مَنْ يُحْتَجُّ لَهُمْ: إِذَا عَمَّ الْبَلْوَى، كَثُرَ السُّؤَالُ، وَإِذَا كَثُرَ السُّؤَالُ، كَثُرَ الْجَوَابُ، وَيَكُونُ النَّقْلُ عَلَى حَسَبِ الْبَيَانِ، فَإِذَا نُقِلَ خَاصًّا عُلِمَ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِهِ، أَنَّهُ خَبَرٌ عَدْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِ مِمَّا لَا طَرِيقَ فِيهِ لِلْعِلْمِ وَلَا يُعَارِضُهُ مِثْلُهُ، فَوَجَبَ