325

Sharḥ Lāmiyya Ibn Taymiyya

شرح لامية ابن تيمية

مراتب القضاء والقدر
مراتب القضاء والقدر أربعة، وقد دل عليها الكتاب والسنة: أولها: مرتبة العلم، ومرتبة العلم، سبق أن ذكرنا أن الإنسان يجب أن يعلم بأن الله ﷾ عالم بكل شيء.
وعلم الله تعالى يتعلق بثلاثة أمور: الأول: علم بالشيء الماضي، وأن الله ﷾ لم تخف عليه خافية فيما مضى، ولذلك قال فرعون لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥١-٥٢] دل على أن الله سبحانه عالم بما في الأزل.
الثاني: علم الله ﷾ بكل ما هو واقع وحادث الآن، وهذا الأمر يجب أن نؤمن به، فلا تخفى على الله ﷾ خافية مما يحدث في الكون.
الثالث: علم الله بما سيكون في المستقبل، وهو ﷾ لا تخفى عليه خافية، يعلم بكل شيء ﷾، وقد بين: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الأنعام:٥٩] دل على أنك حين تنظر إلى الشجرة حين تتساقط أوراقها، أي: منها الذي يسقط اليوم، وتلك غدًا، فالله يعلم متى تسقط وفي أي موضع تسقط، مما يدل على علم الله تعالى بالجزئيات، ويخالف في هذا الفلاسفة، فيقولون: إن الله لا يعلم بالجزئيات، وإنما يعلم بالكليات فقط، وهذا الكلام باطل لا شك في بطلانه، بل الله يعلم بكل شيء، بالكليات وبالجزئيات.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، وأن الله ﷾ قد كتب كل شيء عنده في اللوح المحفوظ، وقد دل عليه: (إن أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة) فكتب كل شيء.
وكذلك جاء النبي ﷺ الصحابة يسألون: أعمالنا؟ فقال لهم النبي ﷺ: (جفت الأقلام، وطويت الصحف) أي: هذا أمر قد كتب، كل أعمالنا مكتوبة في اللوح المحفوظ، ما سنعمله غدًا وبعد غد، ومكتوب في اللوح المحفوظ كيف سنموت بحادث سيارة بمصيبة بعلة بمرض إلى غيره، مكتوب في اللوح المحفوظ كم سيحصل لنا من الأموال إلى غيره، كل شيء قد قدره الله وكتبه.
ويجب أن نعلم قاعدة وهي: أن اللوح المحفوظ لا يغير ما كتب فيه أبدًا، ولن يخرج الإنسان عما كتب في اللوح المحفوظ أبدًا، ولذلك قال النبي ﷺ: (جفت الأقلام، وطويت الصحف) ونجد النبي ﷺ قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) رواه الإمام مسلم.
ونجد الله تعالى يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نخلقها، دل على أنها كلها مكتوبة في اللوح المحفوظ.
المرتبة الثالثة: مرتبة الإرادة والمشيئة، ويجب أن نعتقد أنه لا يكون في الكون، لا في السماوات ولا في الأرض إلا ما شاءه الله وأراده، ومشيئة الله وإرادته دائرة بين الرحمة وبين الحكمة، فربنا ﷾ يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .
نجد من اللطائف قاعدة لـ أهل السنة وهي: أن أفعال الله لا يسأل عنها بـ (لِمَ)، وصفات الله لا يسأل عنها بـ (كيف)، هذه قاعدة يجب دائمًا أن نعرفها.
أفعال الله لا يسأل عنها بـ (لِمَ)؛ للرد على طوائف المبتدعة المنحرفة في مسألة القضاء والقدر، وصفات الله لا يسأل عنها بـ (كيف)؛ للرد كذلك على طائفة المبتدعة في الأسماء والصفات، الذين يقولون: كيف تكون صفات الله أو غيره؟ والسبب ولله المثل الأعلى: أنت في ذات نفسك لو كثر عليك السؤال لغضبت، فلو دخل -مثلًا- شخص منزلك أو بيتك، ثم قال: لماذا جعلتم المجلس هنا؟ لماذا جعلتم كذا؟ لماذا وضعت هذا مكان كذا؟ لماذا؟ ستجد آخر الأمر، تقول: هذا مسكين أنا حر أتصرف فيه بما أريد، ليس لك دخل في هذا، ويغضب الإنسان أن يسأل عن مثل هذه الأمور، وقد يكون توجيه واحد، لكن لِمَ لِمَ؟ الآن يأتي إنسان ويقول: لماذا خلق الله الذباب؟ لماذا خلق الله البعوض؟ لماذا خلق الله الأسد؟ لماذا كتب؟ تلك لحكمة يعلمها الرب ﷾، وقد تكون عقول الناس لا تدركها.
ومن اللطائف ما ذكره صاحب كتاب: (غريزة أم تقدير إلهي)، أظنه لـ شوقي خليل، كتاب يصلح إذا زرت مريضًا أن تهديه إليه، فيه بعض الحكم في الطيور، وفيه بعض المخلوقات العجيبة، سبحان الله! ترى فيه عجائب، لا يكثر الكلام لكنه يعطيك صفة، لماذا هذا الطائر منقاره عريض، وهذا دقيق، وهذا منثني؟ ولماذا هذه البهيمة كذا؟ ولماذا النمل بصفة كذا؟ لله حكم عظيمة في هذا الأمر.
من اللطائف: كانت الهند تشتهر بالثعابين الكبيرة، طول الواحد منها ثلاثة أو أربعة أمتار وليست سامة، وكانت مستعمرة بريطانية، وجاء شخص وأخذ اثنين أو ثلاثة منها، ولم يكن الناس يتعرضون لها؛ لأنها لا تضرهم، وتعيش في مزارعهم، شخص أعجبه جلد ثعبانين أو ثلاثة، فسلخها، ثم اشتراها منه رجل بريطاني، وعندما أخذها هذا الرجل البريطاني سافر بها إلى بريطانيا معه، فوجدها شخص معه فقال له: ألا أصنع لك حذاء منها؟ أو أصنع لأهلك حذاء منها؟ فصنع فبيع بثمن غالٍ جدًا، فسئل: من أين جئت به؟ قال: من الهند، فقالوا: لو أرسلت لنصنع ونبيع تجارة، فأخذوا يذبحونها وترسل، وسبحان الله! في السنة التي ذبح فيه عدد كبير أكلت الجرذان أهم محاصيلهم وهو الأرز، وتجد سكان بعض الدول أكلهم في الصباح والظهر والعصر والمغرب والعشاء كله أرز، ليس عندهم شيء، فجاءوا فتساءلوا: ما الذي حدث؟ وإذا بالسبب هو قتل هذه الثعابين، كانت تلتقم هذه الجرذان، فلا تصيب محاصيلهم، مما يدل على أن الله إذ يخلق بعضًا من هذه المخلوقات إنما هو لحكمة عظيمة يعلمها ﷾، عقولنا قاصرة، ولكن إيماننا بأن الله لا يفعل شيئًا إلا لحكمة يعلمها، ولهذا ذكر المؤلف:
والنار يصلاها الشقي بحكمة
أي: أن الله له حكمة في هذا الأمر، فيه شيء يظهر، وفيه ما لا يظهر لنا، ولذلك نحن نؤمن بأن الله ﷾ يفعل كل شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] .
ولذلك نحن لا نسأل: ما الحكمة من كذا؟ إن تبينت فالحمد لله، وإن لم تتبين فالواجب علينا أن ننصت لهذا الأمر.
المرتبة الرابعة من مراتب القدر: مرتبة الخلق: ويجب أن نعلم أن الله ﷾ خالق لكل شيء، وأنه ما من ذرة في السماوات ولا في الأرض إلا قد خلقها الله ﷾، وخلق حركتها، وخلق سكونها، ولا خالق لها إلا هو، ولا رب ﷾ لها إلا هو، نستدل على ذلك بعددٍ من الأدلة: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] وقد روي عن النبي ﷺ: (إن الله صانع كل شيء وصنعته) دل على أنه ﷾ هو المدبر والخالق لهذا الكون كله.
وكل مرتبة من هذه المراتب ترد على طائفة من المبتدعة، يقول العلماء رحمهم الله تعالى: في إثباتنا لمرتبة العلم ردٌ على طائفة القدرية، نفاة هذه الصفة، ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا خصموا، وإن أنكروا كفروا) .
من يقول: الله لا يعلم، يكون بذلك واصفًا لله بالنقص؛ لأنه جاهل ولا شك في كفره؛ ولأنه نفى عن الله صفة الكمال.
وبمرتبة الإرادة والمشيئة يرد على طائفة القدرية، وكذلك المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان هو الذي يفعل ما يشاء، والله ليس له إرادة ولا مشيئة في فعل الإنسان إطلاقًا.
ومرتبة الكتابة ترد على المعتزلة الذين يقولون: إن الأمر أنف، أي: الآن حدث، أي: أن الله لا يكتب شيئًا ولا يقدر شيئًا إلا بعد عمل العبد، وقبل فعل العبد لا كتابة على العبد أصلًا، وهذا الكلام ترده الأحاديث والآيات الواضحة في بيان كتابة الله تعالى.
ومرتبة الخلق ترد على المعتزلة الذين يقولون: الله خالق الإنسان، والإنسان هو الخالق لفعله.

18 / 10