Sharḥ Lāmiyya Ibn Taymiyya
شرح لامية ابن تيمية
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
•Saudi Arabia
أدلة وجود الجنة والنار الآن
الجنة يجب أن نثبت أنها موجودة الآن، ووجودها الآن قد دل عليه الكتاب والسنة، واتفق أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة منذ القدم إلى قيام الساعة يثبتون وجودهما، ولا يقولون كما تقول المعتزلة، فإن المعتزلة تنفي وجود الجنة والنار الآن، ويقولون: إن الله ينشئها يوم القيامة، ولهم شبه باطلة في عدم إثباتهم للنار، ومن شبههم يقولون: إنها لو كانت مخلوقة الآن ولا ساكن لها، يكون وجودها عبثًا، والله منزه عن العبث، وهؤلاء مساكين قاسوا الله بخلقه فشبهوا أولًا، ثم عطلوا الرب ﷾ عن هذه.
ومن شبهتهم كذلك قالوا: إنها لو كانت موجودة ومخلوقة الآن لوجب أن تفنى يوم القيامة، والله يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] ويقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] دل على أنها تهلك يوم القيامة، فما الفائدة من وجودها؟! وهؤلاء من أجهل الناس، ما عرفوا المقصود في هذه الآية، والله يبين أن كل شيء هالك، أي: يبين أنه مما أراد الله هلاكه، وإلا فإن العرش لا يهلك، ومنها الجنة، وبين لنا النبي ﷺ في غير ما حديث أن الجنة موجودة، والدليل على وجود الجنة أحاديث كثيرة: (مر النبي ﷺ ليلة الإسراء والمعراج وإذا بإبراهيم ﵊، يقول: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، ثم أخبرهم أن الجنة طيبة التربة، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) بل إن من أعظمها أن النبي ﷺ قال: (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة) ونجد من الأدلة على ذلك أن النبي ﷺ دخل الجنة ورأى بها سدرة المنتهى، ووصف لنا السدرة: (يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا لا يقطعها) .
وأعظمه حديث ورد في قصة الكسوف، فإن النبي ﷺ لما كان في صلاة الكسوف تقدم صلوات الله وسلامه عليه، وهو يمد يده الشريفة كأنه يتناول شيئًا وهو يتقدم، وتقدم الصحابة معه، ثم رجع النبي ﷺ وهو يشيح بوجهه خائفًا، فرجع الصحابة، وسأل الصحابة ﵃ وأرضاهم النبي ﷺ عن مد يده وتقدمه وعن تأخره؟ فقال لهم النبي ﷺ: (فتحت لي الجنة ورأيتها، وأردت أن آخذ عنقودًا من عناقيدها، ولو أخذته لأكلتم منه إلى قيام الساعة) دل على أن الجنة موجودة، وإلا لما أخبر النبي ﷺ أنهم سيأكلون منه إلى قيام الساعة، وسبب رجوعه ﷺ أنه فتحت له النار، وخشي من وهجها ولهبها، ورأى بها النبي ﷺ أناسًا يعذبون ومنهم المرأة وكانت من بني إسرائيل، كان عندها هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض فماتت، فوجدها النبي ﷺ تخمشها هذه الهرة عقوبة لها، فدل على أن الجنة والنار موجودتان الآن.
وفي قول النبي ﷺ لما قال: (دخلت الجنة، ورأيت قصرًا عظيمًا، فقلت لمن هذا؟ قالوا: لرجل من قريش، قال النبي ﷺ فظننت أنه لي، ثم أردت دخوله فقيل لي: إنه لـ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، قال النبي ﷺ: فاستحييت لما علمت من غيرة عمر) فبكى عمر عندما أخبره النبي ﷺ، وقال: يا رسول الله، أعليك أغار! أعليك أغار! والنبي ﷺ يقول: (من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتًا في الجنة) والحديث المسلسل الذي سمعناه: (من صلى لله اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتًا في الجنة) هذه النار لا شك في وجودها، وكذلك الجنة لا شك في وجودها.
وبالنسبة للنار فإن النبي ﷺ رآها ورأى أحوال الناس فيها، ونعوذ بالله من أحوال الزناة، وشرَّاب الخمر، وآكلي الربا وغيرهم، وذكر النبي ﷺ من حالهم ووصفه لنا كأنه يراهم رأي العين، ولهذا قال النبي ﷺ: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا) والسبب: أن النبي ﷺ شاهد الجنة وشاهد النار رأي العين، ورآها النبي ﷺ يحطم بعضها بعضًا.
16 / 11