277

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya - Ṣāliḥ Āl al-Shaykh = Ittiḥāf al-Sāʾil bimā fī al-Ṭaḥāwiyya min masāʾil

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

: [[الشريط الواحد والعشرون]]:
(وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ. مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ، وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ
وَنقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا) .

قال العلاّمة الطحاوي في هذه النُبْذَةْ المختصرة في وصف الله ﷿ قال (وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ. مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ، وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ)
يريد بهذا الكلام أنَّهُ لمَّا أثْبَتَ عرش الرحمن ﷿ وأثْبَتَ الكرسي على ما جاء في النصوص وما في ذلك من الاستواء على العرش كما يليق بجلال الله ﷿، بَيَّنَ أنَّ خلق العرش واستواء الرب ﷿ على العرش كما يليق بجلاله وعظمته ليس لحاجَةٍ من الله ﷿ لما خَلَقْ للعرش، ولكن الله ﷿ هو الغني ﷾، وهو مستغنٍ عن جميع المخلوقات؛ بل العرش وما دونه مفتقر إلى الرب ﷿، إذْ ربُّنا ﷿ به تقوم الأشياء، فلا أحد يقوم ولا شيء يقوم إلاّ بالربّ ﷻ، والعرش من ذلك؛ فإنه مفتقر في قيامه وفي استمراريته وفيما عليه شأنه مفتقر إلى الربّ ﷻ، فالله سبحانه هو الذي يحفظه، وهو الذي بقدرته يحمله ﷿، إلى غير ذلك.
فإذًا استواء الربّ ﷻ على العرش ليس استواءً كما يظنه الجهلة وأهل البدع لمَّا نفوا الاستواء أنَّ ذلك يقتضي الحاجة إليه، لا وكلاّ؛ بل هذا فِعْلْ فَعَلَهُ الله ﷿ وصِفَةٌ اتصف الله ﷿ بها، والله سبحانه يتّصف بما يشاء ﷻ وتقدّست أسماؤه، والعرش شَرُفَ وعَظُم لأنَّ الله ﷿ جعله مكانًا لاستوائه عليه ﷾.
لأجل مخالفة المخالفين ولأجل الرد على جَهَالَةْ الجاهلين قال الطحاوي هنا (وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ) .
يعني أنَّ الله ﷿ موصوف بالغِنَى المُطْلَقْ من كل وجه، كما وصف بذلك نفسه في القرآن، وهو مستغن عن أعظم المخلوقات وأعلى المخلوقات وفوق المخلوقات وهو العرش، فاستغناؤه ﷿ عما دون ذلك الخلق العظيم وهو العرش لاشك أنه من باب أولى.
قال ﵀ هنا في وصف الله (وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ)
وذلك لكمال غنى الرب ﷿، وكمال جلاله وكمال قدرته سبحانه وكمال قهره، ولعلو ذاته ﷾ وأنه الحي القيوم.
(القيوم) يعني أنَّ كل شيء إنَّمَا قيامه بالله ﷿، فأي شيء في هذه الدنيا بل أي شيء من مخلوقات الله ﷿ لو تَخَلَّى ربنا ﷿ عنه لباد ولهلك ولما استقام له شأن.
ولهذا كان من دعاء أعرف الخلق بربه وأعلم الخلق بربه ﷺ أنه يقول «ولا تكلني لنفسي طرفة عين» (١) فهذا فيه التَّخَلِّي عن كل حول وقوة وعن أنْ يُوكَلَ العبد إلى نفسه طرفة عين.
فإذًا كلّ الخلق قيامهم بالله ﷿، وكل الخلق فقراء إلى الله ﷿ ومن ذلك العرش، والربّ سبحانه هو الغني الحميد المستغني عن كل ما عداه والمفتقر إليه كل شيء ﷾.
قال (مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ)
يعني أنَّ الربّ ﷾ موصوف بإحاطته لكل شيء وأنَّهُ سبحانه فوق كل شيء.
وهذه الإحاطة يأتي بيانها بالتفصيل، ومعناها أنّ الرب ﷿ محيط بصفاته بكل شيء بعظمته ﷿ وبقدرته وبعلمه فهو سبحانه بكل شيء محيط.
قال (وَفَوْقَهُ) يعني أنَّ الله ﷿ موصوف بالعلو المطلق؛ علو الذات والفوقية المطلقة؛ فوقية الذات له سبحانه وكذلك علو وفوقية الصفات.
قال بعدها (وَقَدْ أَعْجَزَ ﷿ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ)
يعني أنَّ الله ﷻ لِعِظَمِ قدرته ولكمالِهِ في غناه لا أحد ولا شيء يحيط به كما قال ﷿ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقال ﷿ لموسى ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] .
- فإحاطة الرؤية بالله ﷿ ممتنعة.
- وإحاطة العلم بالله ﷿ ممتنعة.
-وإحاطة القدرة بالله ﷿ ممتنعة.
إذًا فالعباد مهما بلغ شأنهم فيما أعطاهم الله من القوة فإنهم أحقر وأضعف وأذل لله ﷿ من أن يحيطوا به ﷿ علمًا أو يحيطوا به وصفًا أو يحيطوا به ﷿ قدرَةً إلى آخر ذلك؛ بل هو سبحانه المتصف بصفات الكمال.
وهذا من الطحاوي ﵀ تَقْرِيرٌ لعقيدةٍ عظيمةٍ من عقائد أهل السنة والجماعة مُخَالَفَةً للمعتزلة والخوارج والرافضة والأشاعرة وطوائف كثيرة من الصفاتية ومن غيرهم.
وفي هذه الجملة مسائل لبسط الكلام عليها.

(١) أبو داود (٥٠٩٠)

1 / 277