المتبادر منه لدليل" ١.
ثمّ بيّن ﵀ أنّ التأويل بمعناه الأخير له ثلاث حالات. وذكر ﵀ تلك الحالات مقرونة بأدلتها، مبينا المقبول منه من غير المقبول؛ فقال ﵀: وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه له عند علماء الأصول ثلاث حالات:
أ-إما أن يصرفه عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب أو سنة. وهذا النوع من التأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه. ومثال هذا النوع: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "الجار أحقّ بسقبه" ٢؛ فظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار.
وحمل هذا الحديث على الشريك المقاسم حمل للفظ على محتمل مرجوح غير ظاهر متبادر. إلا أنّ حديث جابر الصحيح: "فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" ٣ دلّ على أنّ المراد بالجار الذي هو أحقّ بصقبه خصوص الشريك المقاسم. فهذا النوع من صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل واضح من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه. وهذا التأويل يسمى تأويلًا صحيحًا، وتأويلًا قريبًا. ولا مانع منه إذا دلّ عليه النصّ.
ب- الثاني: هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلا، وهو في نفس الأمر ليس بدليل. فهذا يسمى تأويلًا بعيدًا، ويقال له: فاسد. ومثّل له بعض العلماء بتأويل الإمام أبي حنيفة ﵀ لفظ
١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٢-٣٣. وانظر: أضواء البيان ١/٣٢٩. وذكر هذه الأنواع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. (انظر العقيدة التدمرية ص٩١) .
٢ أخرجه البخاري ٣/٤٧.
والسقب، والصقب: القرب. (حاشية البخاري ٣/٤٧) .
٣ أخرجه البخاري في الصحيح ٣/٤٧ بنحوه، وفيه: «فإذا وقعت» بدل: «فإذا ضربت» .