Durūs lil-shaykh ʿAlī b. ʿUmar Bā Ḥadḥad
دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح
•
Regions
•Saudi Arabia
وقفة مع شبهة منع النبي ﷺ عليًا عن زواج ابنة أبي جهل
وقفة ثانية في هذه الأوهام والأخطاء، ففيما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم).
قال النووي ﵀: قال العلماء: في هذا الحديث تحريم إيذاء النبي ﷺ بكل حال وعلى كل وجه، وإن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا وهو حي ﵊، وهذا بخلاف غيره، فلما كان ذلك يؤدي إلى إيذاء فاطمة وذلك يؤذي الرسول ﷺ حرم من هذا الوجه.
أو لم يكن ممكنًا الجمع بينهما من هذا الوجه، قال النووي: وقد أعلم النبي ﷺ بإباحة نكاح بنت أبي جهل لـ علي بقوله: (لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا) ولكنه نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين: إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة فيتأذى حينئذ رسول الله ﷺ؛ فيهلك من آذاه، فنهى عن ذلك لتمام شفقته على علي وعلى فاطمة.
والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة.
وقيل: هذا كان بسبب الغيرة، وهو مذكور أيضًا، فإنه ﷺ قال: (إني أخشى أن تفتن في دينها) أي: بسبب غيرتها؛ لأنها ابنة رسول الله ﷺ، وعلي ابن عمها ﵄، ولذلك أراد النبي ﵊ أن يبين هذا، فترك علي خطبتها لئلا يؤذي رسول الله ﵊، وثبت أن عليًاَ لم يتزوج معها غيرها، بل ولم يتسر بغيرها من السراري أو الإماء حتى توفيت ﵂ وأرضاها.
هذا موجز ما ذكره النووي، وقد أفاض -أيضًا- القرطبي في شرح مسلم والمازري والقاضي عياض في هذه المعاني بنفس هذا المعنى أو قريبًا منه.
وهذه المسائل عند أهل السنة والجماعة وأهل الإيمان والتقوى واضحة لا تلتبس، إلا عند الزائغين والمنحرفين الذين نسأل الله ﷿ أن يسلمنا من طرقهم، وأن يجنبنا مسالكهم، وأن يهديهم إلى سواء السبيل والصراط المستقيم؛ فإن الثلم والذم لأصحاب رسول الله ﵊ معارضة لكتاب الله ﷿ ولما صح عن رسوله ﷺ، وهو ذم لهم حتى ولو لم يكن ذلك في النصوص، فلئن كان ذلك كذلك فأي قوم كان هؤلاء؟ وكيف عن لهم أن يكونوا من أصحاب النبي وحملة الدين ثم يكونوا على هذا الذي يصور من فرقتهم وخلافهم وكيد بعضهم لبعض ونحو ذلك؟ وكيف يمكن أن نفهم وندرك أن عمر بن الخطاب ﵁ تزوج أم كلثوم بنت علي ﵁؟! وكيف ندرك هذه العلاقات العظيمة والمآثر الكريمة والأقوال الجليلة في مدح بعضهم بعضًا، وثناء بعضهم على بعض، ومعرفة بعضهم حق بعض، حتى قال سعد -وهو حديث مشهور- ثلاث لـ علي تمنيت لو أن لي واحدة منها، وذكر قول النبي ﷺ له: (أما أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) وذكر كذلك قوله ﷺ في يوم خيبر: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) فهذا كله معروف شائع بين أصحاب النبي ﷺ، ومقامهم وحالهم يدلنا على أنهم أليق بذلك وأجدر به، وإن كنا اليوم نعيب الإنسان إذا كانت له خصومة مع صديق أو حبيب أو قريب، ونرى في ذلك جفاء في طبعه، ونرى في ذلك سوءًا في خلقه؛ فكيف ينسب ذلك إلى صفوة الخلق من أصحاب رسول الله ﷺ؟! وكيف ينسب إلى أبي بكر وهو الذي يبكي عندما يذكر أبناء وأهل بيت النبي ﷺ؟ وهو الذي جعل نفسه قائمًا بأمر الأمة كلها عمومًا وأمر أهله ﷺ خصوصًا! وكيف بـ عمر ﵁ الذي كان يعطي أمهات المؤمنين أكثر ما يعطي من العطاء الذي يوزعه للمسلمين، وغير ذلك مما هو مشهور معلوم ثابت في الصحيح.
فلاشك أن هذا من زيغ الفكر، ومن ظلمة القلب، ومن انحراف النهج والقصد، ومن الفتنة التي ينبغي لكل مسلم أن يبرأ منها، وأن يجتنبها، وأن يحذر الناس منها، وأن يدعو إلى غيرها، وأن ينبه الواقعين فيها، ونحن -بحمد الله ﷿ في قلوبنا من الإيمان واليقين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والتعظيم والإجلال لأصحاب رسول الله ﵊ ما يكون وقاية لنا من ذلك.
13 / 19