239

Durūs al-Shaykh Sayyid Ḥusayn al-ʿUffānī

دروس الشيخ سيد حسين العفاني

قصة سعد بن معاذ في مرضه وحكمه في اليهود
وسعد بن معاذ كان صديق الأنصار، وكانت منزلته في الأنصار في الصدق تساوي منزلة أبي بكر في المهاجرين في الصدق وإن كان بينهما تفاوت عظيم، وكانوا يلقبونه بصديق الأنصار، وقد قال فيه النبي ﷺ: (إنه لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء).
وكان قد قال للنبي ﷺ وهم ذاهبون إلى بدر: (ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك)، فسر النبي ﷺ واستنار وجهه.
ولما أصيب في أكحله -والأكحل: أكبر شريان في الجسم -نزف الدم حتى أصاب من في الخيمة، فبكى النبي ﷺ وبكى أبو بكر وعمر، وجعل النبي ﷺ يحاول أن يرقي له جرحه، ولما كان جرحه ينزف ويصيب من في الخيمة رفع سعد يده إلى السماء وقال: اللهم إن كنت أبقيت رسولك ﷺ لحرب يهود -وكانوا حلفاءه- فأبقني، قالوا: فوالله لقد انقطع دمه فما قطر قطرة واحدة بعد دعائه الصادق.
ثم كانت حرب النبي ﷺ لليهود وحصاره لهم، فقالوا: ننزل على حكم سيدنا سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله ﷺ من يأتي بـ سعد بن معاذ، فلما وصل قال النبي ﷺ: (قوموا لسيدكم فأنزلوه)، ومن عظيم أدب سعد العظيم أنه نظر إلى الخيمة التي فيها النبي ﷺ وقال: حكمي نافذ على من في هذا؟ -تأدبًا مع النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: نعم، فأخذ الميثاق من اليهود على نفاذ حكمه فيهم؛ لأنه يعرف أنهم قد نقضوا عهدهم مع الله ﷿، فكيف لا ينقضون عهدهم مع سعد وهو يعرف أنهم قوم بهت، فلما أخذ منهم العهد قال: حكمي فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى نساؤهم وذراريهم، وتقسم أموالهم.
ثم قال سعد: اللهم افجره؛ شوقًا إليه، فانفجر أكحله، فطببوه عند رفيدة الصحابية الطبيبة، وكان النبي ﷺ يأتيه كل يوم ويسأل عن أخباره، فأتاها مرة فقالت: اشتد به الوجع، فأتى قومه بنو عبد الأشهل فحملوه إلى ديارهم، ونزل جبريل على رسول الله ﷺ يقول: (يا رسول الله! من هذا الذي قد مات من أمتك؟! لقد نزل إلى الأرض سبعون ألف ملك ما نزلوا إلى الأرض قبل يومهم هذا لتشييعه).
والحديث صححه الشيخ الألباني.
فأسرع النبي ﷺ السير حتى تقطعت نعال من معه من الصحابة، فقالوا: يا رسول الله! تعبنا من هذا السير، قال: (أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة).
فـ حنظلة حملته الملائكة وغسلته ووارته، وهناك قوم تسلم عليهم الملائكة، فقال النبي ﷺ: (أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت أخاه حنظلة)، ولما وصل إلى البيت وجد أمه تنوح عليه وتقول: ويل أمك سعدًا حزامةً وجدًا وفارسًا معدًا فقال النبي ﷺ: (كل نائحة كاذبة إلا نائحة سعد)، ثم قال النبي ﷺ بعد ذلك: (إن عرش الرحمن اهتز لموت سعد بن معاذ)، وفي رواية جودها الحافظ الذهبي: (إن عرش الرحمن اهتز فرحًا بموت سعد بن معاذ).

14 / 12