Durūs al-Shaykh Ḥasan Abūʾl-Ashbāl
دروس الشيخ حسن أبو الأشبال
الاقتداء بأخلاق النبي ﷺ ميراث المؤمن
وقد صنف ابن أبي الدنيا كتابًا عظيمًا بين فيه خطورة سوء الخلق، وسماه (مساوئ الأخلاق)، وصنف كتابًا آخر يدل على أن النبي ﵊ ضرب المثل الأعلى في غير ذلك وسماه (مكارم الأخلاق)، والله ﵎ قد أثنى على نبيه وعظمه وشرفه، وبين أنه تخلق بجميل الأخلاق وعظيمها وأحسنها فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ولما كانت الأسوة كل الأسوة في الاقتداء بالنبي ﵊ في هديه وسمته كان لابد أن نتخلق بأخلاقه الكريمة الحسنة، والنبي ﵊ ضرب أمثلة عظيمة يطول الوقت بسردها، فقد كان يعامل الجفاة الغلاظ الأعتال المتعنتين معاملة حسنة، وكان ذلك سببًا في هدايتهم، ورجوعهم إلى دين الله ﷿، وفي دخولهم في دين الله ﷿، وانتقالهم من الكفر إلى الإيمان.
والأخلاق الحسنة إنما هي ميراث الصالحين، وسئل أحمد بن حنبل رضي الله ﵎ عنه ورحمه عن ميراثه، وعما يعتز به في دنياه، فقال: لقاء الإخوان.
لقاء الإخوان والحرص على مودتهم وصحبتهم هو ميراثكم، فاتقوا الله ﵎، وحسنوا أخلاقكم فيما بينكم وبين الخلق أجمعين، وفيما بينكم وبين رب العالمين، ومع نسائكم في بيوتكم، ومع أولادكم، وعلموهم كتاب الله وسنة النبي ﵊، واحرصوا على أن يكونوا هداة مهديين.
وقد أخبر النبي ﵊ في صحيح سنته أن العمل الصالح لا يرد، وأن صاحبه مأجور كل الأجر، فقال ﵊ فيما رواه أبو داود: (إنما مكارم الأخلاق ميراث المؤمن).
فمكارم الأخلاق مواريث المؤمنين، فحسنوا أخلاقكم مع كل من تقابلون، لا أن يكون شعارنا تعبيس الوجه والتكشير عن الأنياب عند اللقاء وإبداء كل السوء، فقد التقى النبي ﵊ بصناديد الكفر والشرك وعبدة الأصنام والأوثان، ومع هذا هش ﵊ في وجوههم ولقيهم أحسن لقاء، فهذا منافق طرق عليه الباب فقال النبي ﵊: (من؟ فقال: فلان بن فلان، فقال النبي ﵊: بئس أخو العشيرة، ثم أذن له بالدخول، قالت عائشة ﵂: فلما دخل هش النبي ﵊ في وجه ذلك الرجل، فلما خرج قلت: يا رسول الله! رأيتك تفعل فعلًا ما رأيتك وما عهدتك عليه من قبل، قال: يا عائشة! إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه).
وهؤلاء المنافقون لا يتورعون عن سب النبي ﵊، وقد قال سيدهم وإمامهم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، وقصد أنه العزيز عليه لعنة الله، وأن النبي ﵊ هو الذليل، فأذله الله ﷿، والجزاء من جنس العمل، فقد أذله الله على يد ابنه الأكبر عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رضي الله ﵎ عنه، فقد كان ابنه من أهل الإيمان والإحسان الذي حسن إيمانه وعمله، وعظم حبه لله ﵎ ولرسوله الكريم ﵊، بخلاف والده الذي أساء مع الله، وأساء مع النبي ﵊، فرماه الله بالذل والصغار، وهو الذليل والصغير، والنبي ﵊ هو العظيم والقوي والشريف والإمام، وخليفة الله ﵎ في أرضه.
والأخلاق الحسنة تدل على صاحبها، والأخلاق السيئة تدل كذلك على صاحبها، وقد قال النبي ﵊: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).
وقد سمعت أن أحد المسلمين ادعى أنه أحرص من إخوانه جميعًا على حب الله ورسوله، وعلى انتشار الدعوة بين أبناء الأمة الإسلامية شرقًا وغربًا، حتى بلغ به الأمر أن شهر السيف في وجه إخوانه؛ ادعاء وزعمًا منه أنه يحب الله تعالى ورسوله، وأنه يدافع عن دين الله حتى آخر قطرة من دمه، وكذب ورب الكعبة، فإنما مثله كما قال النبي ﵊: (من قال: هلك الناس فهو أهلَكَهم)، أي: هو تسبب في هلاكهم، وفي رواية أنه قال: (من قال: هلك الناس فهو أهلًكُهم)، أي: فهو أشدهم هلاكًا.
فهذا الزاعم لا يخرج عن أحد هذين الشخصين، فإما أنه أشد الناس هلاكًا، وإما أنه هو الذي تسبب في هلاك الناس، ولا أرى إلا أن الله تعالى جمع له بين الأمرين، فعليه أن يتوب ويرجع، وإلا فليصل في بيته صلاة النساء، ويكف أذاه عن الناس، فإن هذا أكرم له، والنبي ﵊ سن لمن لم يكن قادرًا على أن ينفع إخوانه أن يمكث في بيته، وأن يكف عنهم أذاه، وذلك منه صدقة، فكف الأذى عن الناس وعن الخلق أولى ألف مرة من حضور صلاة الجماعة وإيذاء المسلمين من خلالها، وعامة الناس أبلغوا الجهات المسئولة أن فلانًا تهجم عليهم مرة بالضرب ومرة بالسب، ومرة باللعن، بل وبلغ الأمر به أن شهر السيف في وجوههم، فإنا لله وإنا إليه
23 / 5