عبودية أهل طاعته وولايته وهم عبيد إلهيته الذين أخلصوا له كل أنواع العبادة فلم يصرفوا منها شيئًا لسواه قط.
ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه على سبيل الإطلاق إلا لهؤلاء.
وأما وصف عبيد الربوبية فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:
الوجه الأول: أن يأتي منكرًا مثل قوله - تعالى ـ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ١
الوجه الثاني: أن يكون معرَّفًا باللام كقوله - تعالى ـ: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ ٢.
الوجه الثالث: أن يكون مقيدًا بالإشارة كقوله - تعالى ـ: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ﴾ ٣.
الوجه الرابع: أن يذكروا في عموم العباد فيندر جوامع أهل طاعته في الذكر كقوله - تعالى ـ: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
الوجه الخامس: أن يذكروا موصوفين بفعلهم كقوله تعالى - تعالى ـ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ .
هذه الآية من السورة قد يقال فيها:
إنما سماهم الله "عباده" إذ لم يقنطوا من رحمته وأنابوا إليه بالطاعة واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة والسر في انقسام العبودية إلى عامة وخاصة لأن أصل معنى اللفظة "الذل والخضوع" يقال "طريق معبَّد" إذا كان مذللًا بوطء الأقدام و"فلان عبَّده الحب" إذ ذلَّلَه لكن أولياء الله خضعوا له وذلوا طوعًا واختيارًا، وانقيادًا لأمره ونهيه، وأما أعداؤه فخضوعهم له إنما كان قهرًا ورغمًا٤.
١- سورة مريم آية: ٩٣.
٢- سورة غافر آية: ٣٢.
٣- سورة الفرقان آية: ١٧.
٤- مدارج السالكين ١/١٠٥ - ١٠٦، العبودية لشيخ الإسلام ص٤٧، ٥١.