Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
ويدلك على ذلك ما جرى لهاجر سرية إبراهيم عليه السلام، وذلك أن ملك مصر وهبها لامرأة إبراهيم سارة، ووهبتها سارة لإبراهيم، فتسراها، وولد منها إسماعيل عليه السلام، فغارت سارة، فقالت لإبراهيم: (أبعدها عني حتى لا أسمع لها خبرا).
وذهب بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة وتركها وولدها هناك، وليس لهما زاد ولا طعام ولا شراب إلا شيء قليل في شن وتميرات في مزود، فلما فرغا بقيت بلا لبن يرتضعه، فإذا بكى لقمته ثديها فمصه فلم يجد فيه شيئا بكى وصاح، ثم عمدت إلى جبل أبي قبيس فأشرفت من أعلى جبله تتشوف هل ترى أحدا في أسفل مكة فلم تر أحدا.
ثم أنها سعت تريد المروة، فقطعت الوادي سعيا حتى غاب ولدها عن بصرها، حتى بلغت المروة وأشرفت من هناك تستوضح: هل ترى أحدا من أعلى مكة.
وكان ذلك دأبها سبع مرات، فجعل الله لها ذلك أجرا وذخرا موفورا وجعل سعيها سنة العباد، يسعون على أثرها آلاف لا تحصى إلى يوم القيامة قريبا من أربعة الآف سنة، يكتب الله تعالى لها الأجر بعدد من سعى هناك إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) والمفسرون يقولون: معناه علمنا يريد الخضر، لأن مذهبه كله علم لدني.
وأما قوله: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها) إلى قوله: (لو شئت لاتخذت عليه أجرا).
قيل: إن أهل هذه القرية هم أهل إنطاكية. والعجب كل العجب من أهل هذه القرية، ما هذا الذنب الذي سبق لهم، ابتلاهم الله تعالى بعبدين صالحين، أفضل من أهل زمانهما في الدنيا، وأفضل عند الله من كثير من الأنبياء والمرسلين، فلوموا وخابوا وخسروا، فعم وشمل أهل القرية أجمعين من علم ومن جهل وما ذلك إلا عقوبة لذنب سبق، وأعجب من هذا حين قص الله قصتهما على محمد عليه السلام، وتلا محمد عليه السلام قصتهم على أمته، وتلت الأمة قصتهم على رؤوس العالمين، ممن تحت أديم السماء من الأسلاف إلى الأخلاف إلى يوم الدين.
Page 214