376

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

والفرق بين النكر والمنكر: أن النكر شيء يسبق إلى النفوس إنكاره في الظاهر. والمنكر: ما هو في ذاته قبيح، فلم يبصر موسى عليه السلام لشريعته كل الانتصار فيثبت بذلك الخضر مسيئا، لعلمه أن علم الخضر عليه السلام من علم الله يستقي، ولم ينتصر الخضر لعلمه فيحمل موسى على سبيل الجهل، لكن كل واحد منهما أتى بمقتضى علمه دون حكمه.

فلهذا قال الإمام الصالح العالم جابر بن زيد - رضي الله عنه -: (لا يحل للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. ولا يحل للجاهل أن يقول للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك.

فإن قال العالم للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر العالم. وإن قال الجاهل للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر الجاهل) فانظر في هذه المسالة فإن فيها عجبا لمن ألقى السمع وهو شهيد.

ومن بعد الخضر عليه السلام، أجاز مالك استصلاح الثلثين بالثلث، والأكثر بالأقل.

ويرى ذلك أن الإمام إذا استعصت عليه العامة في استصلاح أنفسهم، وغلب عليه الفساد، وبلغ العامة فسادهم والضرر أقاصيهم وأدانيهم، يخرج حكم القتل على الرؤوس التي قامت بها الفتنة وظهرت السنن الردية والفساد البين الواضح.

ولم يرد مالك: إن صلحت العامة واستقامت أمورهم، أن يستصلح الثلث والثلثين، بل والثلثان قد انصلحا، بل فعله فيهم فساد للثلث والثلثين، ولكل شيء وجه وطريقة، ولك في كتاب الله تعالى آية وموعظة في حكم المحاربين، وذلك أن قطاع الطرق إذا بانوا بذلك وظهر فسادهم في الأرض، أن الحكم فيهم كما قال الله - عز وجل -: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا) إلى قوله: (ولهم عذاب عظيم).

Page 212