Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
وكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق، له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة، وهي باعتبار واحد من الاعتبارات واحدة، باعتبارات أخرى سواها كثيرة، بعضها أشد كثرة من بعض.
مثال الإنسان - وإن كان لا يطابق الغرض، لكنه ينبه على الجملة على كيفية مصير الكثرة وحكم المشاهدة لو لم يستفد بهذا الكلام - ترك الإنكار والجحود بمقام لم تبلغه - وتؤمن به إيمان تصديق، ويكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا التوحيد نصيب، وإن لم يكن ما آمنت به صفتك، كما أنك إذا آمنت بالنبوة وإن لم يكن نبيا كان لك نصيب منها بقدر قوة إيمانك، وهذه المشاهدة التي لا يشهد فيها إلا الواحدة تارة تكتم وتارة تظهر كالبرق الخاطف وهو الأكثر، والدوام قادر وعزيز.
وإلى هذا إشارة الحسين الجلاد حيث رأى الخواص يدور في الأسفار. فقال: (أدور في الأسفار لأصلح حالي في التوكل) وقد كان من المتوكلين. فقال الحسين: (قد أفنيت عمرك في عمران باطنك ، فأين الفناء في التوحيد ؟) فكأن الخواص كان في تصحيح المقام الثالث في التوحيد يطالبه بالمقام الرابع، فهذه طريقة المؤيدين في التوحيد على سبيل الإجمال.
فإن قلت: لابد من شرح مقدار ما يفهم كيفية انبناء التوكل عليه، فأقول: أما الرابع فلا يجوز الخوض في بيانه، وليس التوكل أيضا مبنيا عليه، بل يحصل حال التوكل بالتوحيد الثالث.
أما الأول فهو النفاق واضح. وأما الثاني وهو الاعتقاد، فهو موجود في عموم المسلمين، وطريق تأكيده في الكلام، ودفع حيل المبتدعة فيه مذكور في علم الكلام، وذكرنا في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد على قدر المهم منه.
وأما الثالث فهو الذي يبنى التوكل عليه، إذ يجزي التوحيد اعتقاده لا يورث حال التوكل، فلنذكر منه القدر الذي يرتبط التوكل به، دون تفصيله الذي لا يحتمله أمثال هذا الكتاب.
Page 204