324

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

وقوله أهل البصائر في الأسماء لا أهل الأبصار: إن الاسم هو المسمى وإنما الألفاظ خدمة المعاني، والاسم هو المسمى المعنى لا اللفظ المسموع، فمن رضي بالحواس ورضي بظاهر ما يقول الناس صار من جملة النسناس، وقصر إلهه عن الأفضل إلى الأنذل. ويظهر من قولك: هذا زيد. فإن أردت به الذات صلح لها، وإن أردت به الاسم واللفظ فهو هو، وذلك يختلف بأحوال المنبه عليه، ومهما وقف بك رجل تعرفه وتعرف اسمه أنه زيد ، وبجانبك ناس لا يعرفونه، ويقولون: من هذا. فيصلح أن تقول: هذا زيد. فيكون التنبيه على اللفظ وأما ذات الرجل فظاهره عندك وعندهم.ط ولو كان رجل أعمى وأحس بجانبه حسا، وقال لك: من هذا ؟ فقلت: هذا زيد. فيكون السؤال والجواب عن الذات جميعا لا عن اللفظ، قال الله - عز وجل -: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه). وإنما وقع الخطاب هاهنا عن الذات لا عن اللفظ.

ولو قيل لك: أين زيد ؟ فقلت: بين يديك. لكان المراد يريد الذات دون اللفظ. وكذلك هذا سواد وهذا بياض.

وعلمنا أن نسبة الاسم إلى الذات في حق الباري سبحانه أفضل، من جهة الأشعرية ومن جهة اللغة.

ففي الشريعة حقيقة وفي اللغة مجاز، والحقائق في ذات الباري سبحانه أولى من المجاز وأفضل.

وعلى أن الاسم هو المسمى في لغة العرب موجود، قال الله تعالى: (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم). ومعلوم عند الناس أنه لم يرد الذاوت دون الألفاظ، فمن جعل اسم الله هو المسمى كان قد عزى الباري سبحانه إلى الأفضل، وإن اقتصر به إلى اللفظ حسبه جهله بين الفاضل والمفضول، وعذرناه ما لم يتجشم الشروط المهلكة: التدين على جهالة، وقطع العذر، وتبديل الأحكام، وفيه وفي مثله قال جابر بن زيد - رحمه الله -: (لا يحل للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك، ولا يحل للجاهل أن يقول للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك، فإن قال العالم للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر العالم. وإن قال الجاهل للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر الجاهل).

وأما من قال: (ما أكثر أسماءه كثيرة ؟) فإنك تحمله على مذهب من جعل أسماء الله هي الألفاظ.

وأما نحن فلا يجوز في معتقدنا فيها التعجب بالكثيرة ولا الإخبار عنها بالكثرة. وأما الإفراد كقولك: (ما أحملك يا رب !) كقول أبي بكر الصديق: (ما أحملك أي ربي !) وقول الله - عز وجل -: (أسمع بهم وأبصر ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا) فجائز.

Page 160