Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
وكذلك الرائحة واللمس على هذا الحال، وليس في الحواس على أنها أجسام ما يدل على محسوساتها أنها أجسام لأجل الصوت (1).
وإن قال: إنما قلنا في اللون والطعم والريح وسائرها أجسام لأنها موجودة في الجسم متمكنة أو معترضة، أيما قال في ذلك، فالصوت أظهر تحيزا وتمكنا من سائرها.
وأما قول الخائضين في هذا الشأن وهم الأطباء والطبائعيون الذين هم أرباب هذا الشأن قالوا: إن الدليل على أن الصوت جسم، أن المصوت إذا صوت فإن صوته يتضمنه المكان، ويقله الهواء والفضاء وهما جسمان، ويتمكن فيه من أجل أنه كروي الشكل.
فإذا صدر صوت من مصوت سرى في الجهات الست ما خلي وطبعه، فصار الصوت مركزا وقطبا، وصار في الست الجهات على نسبة واحدة، فمقدار ما يسمع هذا الصوت من فوق فهو حده من أسفل، ومقدار ما يسمع يمينا هو حده يسارا، ومقدار ما يسمع أمامه هو حده من خلفه، وإن وقع الصارف والمانع انصرف وامتنع من تلك الجهة، مثل الريح، فأنه يذهب به إلى جهته وربما يسري به فيبلغه مسافة وأعظم من مسافته لو خلي وطبعه.
فإن قوي الريح صرفه بالكلية من جهة إلى جهة، ويكون له صارف من حائط أو غائط (2)، وتتبين الجهة التي يأتيك منها، ويكون له حاجز عن الأسماع ولو ضربت طبول الدنيا لمن كان في قارورة ما سمعه، أو تنشق القارورة، ويسري إلى جبل ويرجع صداه بصوته كما هو لا يحرم منه شيء، ومن وراء ذلك أنه متصف ببعض صفات الأجسام من الخشونة والليونة والدقة والحدة والصفير والبحوحة، ويهد الجبال ويقرع الآذان ويصم الأسماع، ويزهق النفوس ويطرب ويكون، فهذه كلها صفات الأجسام، ومن أراد معرفة هذا فليأخذه من أهل الموسيقى، وربما يحدر الأخلاط، ويضر بالأفراط، ويلذ ويؤلم، ويهيج الشجاعة والجبن والهواء المستكن.
Page 139