302

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما بلغني يا أخي كتابك الأغر الأكرم، تذكر فيه المسألة المذكورة في كتاب «العدل والإنصاف» في باب أفعال المكلفين، وهي أن العبد هو الفاعل الكاسب المريد لأفعاله وكلامه وقوله ونطقه وقراءته، وأما صوته (*) فلا، وأن حواسه كلها أجسام، وكذلك محسوساته كلها أجسام وهي اللون والطعم والريح والصوت (*) وملموسة كلها أجسام، وأما الحواس فالسمع والبصر وحاسة الذوق واللمس وحاسة الشم فهذه أيضا أجسام.

اعلم يا أخي أن الأشياء تؤخذ بالتقييد لا بالتقليد، وتقتبس من أصولها لا من فصولها، والذي أذهب إليه أن الصوت كسائر أخواته في التجسيم، أو هو أقرب من أخواته إليه.

واعلم أن هذه المسألة ليست بدينية ولا شرعية، وإنما هي مسألة طبيعية، وإنما يقتبس عليها من أحد ثلاثة أوجه: أولها: اللغة. والثاني: قول ولاة هذا الأمر وهم الأطباء والطبائعيون الذين ينظرون في ذات العالم. والثالث: الشرع، ولم يرد فيه سمع يقطع أنه جسم أو غيره إلا أن يقتبس من قول الله - عز وجل - الصاخة والقارعة.

فلنرجع إلى الوجه الأول وهو اللغة، وذلك أن أهل اللغة سموا الصوت وأخواته محسوسات، وسموا مقتضياتها حواس، وبعضهم سموها جواس، فعلى الوجهين جميعا يقتضي هذه التسمية للجس بتجسيم الصوت، إذا صار محسوسا كسائر أخواته، كما أن حاسته جسم فهنالك أخواته، فما بال الصوت من بينها أن يكون عرضا.

فالحس والجس يقتضي محسوسا ومجسوسا مدركا لجاسة مجسوسه، ولا يتبين لك تجسيمه حتى يطالب بالبرهان من يدعي أخواته أجساما، فهنالك يبين لك أنه جسم.

فإن قال القائل: ما الدليل على أن اللون جسم ؟

قيل له: لأنه يدرك بالبصر ومتميز في موضع دون موضع.

فإن قال: ليس في دركه ما يدل على أنه جسم، لأن حاسة السمع جسم وتدرك الصوت وهو عرض على قول من يقوله.

قيل له: وكذلك الطعم لا دليل على تجسيمه من جهة دركه بالذوق ، لأن حاسة الذوق جسم أدركت عرضا كالصوت.

Page 138