Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
والثانية: حديث داود عليه السلام حين سجد ومكث في سجوده فيما قالوا: أربعين يوما حتى نبت البقل من دموعه، ثم غفر الله له. ثم قال: (يا رب أنت الحكم العدل، وقد أخطأت على الرجل فيما فعلت، فطيف لي به أن يغفر لي وقد غفرت لي أنت يا رب ؟) فأمره الله تعالى أن يذهب إليه ويبعثه من قبره، فأتاه فصلى ركعتين فضرب القبر بالعصى فناداه فأجابه، فسأله المغفرة فغفر له ثم ذهب وبقي في قلبه وحشة الخطيئة. فقال: (ما هذا يا رب ؟) فقال: (وحشة الخطيئة). فصاح فوقع مغشيا عليه، فمكث أربعين يوما أخرى، فأتاه الملك فصاح به. فقال: (ارفع رأسك فقد غفر الله لك)، فلم يكترث بالملك، ثم قال له الملك: (ارفع رأسك، فإن آخر أمرك شبيه بأوله، فأوله خطيئة وأخره معصية)، فكان معنى المعصية خطيئة بلجاجته ففرق بين الخطيئة والمعصية.
ونحن الآن نتقلب في سهمنا من خطيئة أبينا آدم، صلوات الله عليه، وعلى نبينا محمد عليه السلام.
وقال (صلى الله عليه وسلم): «البزقة خطيئة وكفارتها دفنها» ولهذا قال ابن عباس: «ليس فيما يعصى الله به صغير» حتى قال بعضهم: إن مناهي القرآن كبير، ومناهي السنة خطيئة وليست بمعصية.
وأما أفعال الملائكة واجتهادهم، اعلم أن الله تعالى فوض إليهم الاجتهاد في أفعالهم، وربما يقع الخطأ فيها نادرا، وليس ذلك بضارهم شيئا.
ويدل على ذلك قصة طينة آدم عليه السلام، قال الله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون).
ففي هذا الخبر أمران: الاعتراض على الله تعالى في أفعاله. والثاني: مدحهم لأنفسهم. والذي ينبغي لهم التسليم لأمر الله تعالى والرضا بقضائه، ولكن الحبيب محبوب.
Page 121