279

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

فظل الفريقان يتخاطفان أبصارهما ويتخالسان فيها بينما، فعول أهل الدعوة على المعاني، والغير على الألفاظ، والمعاني والألفاظ بحران عظيمان زاخران، قد غرق فيهما كثير من الناس، إلا من قاده التوفيق إلى سواء الطريق وأعطى كل ذي حق حقه فالألفاظ وقشور المعاني لباب، فاختر أيهما شئت، وقد يسوغ ما قاله الغير فيما بيننا ولا يسوغ في بارئنا سبحانه فأبى الغير من (1) فما رأينا في هذا سواء، ونحن - إن شاء الله - نوضح المذهبين جميعا.

اعلم أن أصول هذه المسألة في اللغة وبعدها الشرع، أما اللغة، فإن معهود العرب في الأفعال والأسماء متفاوتة، وذلك أن الأفعال تدل على الحدوث والزمان، ماضيا وحالا ومستقبلا، فجعلوا لكل زمان صفة تدل عليه من الأفعال، والأسماء من وراء ذلك تقتضي هذه الثلاثة المعاني، وهي موقوفة عليها، ونقدر كلمة واحدة من الأفعال، ونركب عليها محتملاتها الأدنى فالأدنى حتى يتضح المعنى، وهي كلمة (فعل) وقد جعلها الله معيارا لجميع الأفعال. فقال عز من قائل: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون).

فلو قلت (فعل) لدل على الحدوث في وقت ماض من الزمان، ولو قلت (يفعل) لدل على الحين الذي أنت فيه من غير تحمل، ولو قلت (سيفعل) لدل على الآتي من الزمان.

فالأمس دال على ما مضى، والآن دال على الحين، وغدا دال على المستقبل، وكل واحد منهما دال بصيغته على مقتضى معناه، لا تنوب إحداهما عن الأخرى إلا مجازا، ونحن الآن في الحقائق.

فلما استغرق الفعل الزمان، وبقي الاسم يصلح للكل: ماضيه وحاله ومستقبله، فليس يقتضي معنى دون معنى إلا بقرينة وتقييد. وقولنا: (فعل، يفعل، سيفعل) فهو فاعل.

ثم إنا رجعنا إلى أبنية الفاعل فوجدناها على وجوه كثيرة، كلما زيد في المعنى تغيرت له الصورة، فأولها فاعل ثم فعيل ثم فعول ثم فعلان ثم فعال ثم فعاله ثم فعلة.

فهذه السبع الكلمات لا تختص بوقت دون وقت، ولا حال دون حال، وتصلح للجميع وبرهانه في لغة العرب:

Page 115