230

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

فإن وقعت المهادنة بيننا وبينهم، أجريناها على وجوهها، فمن نقض كان ملوما، ومن تعرض كان مليما. (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) ولا نستحل عذرهم، ولا نقض عهدهم، ولا خيانتهم، ولا جميع ما خالفوه، ممن ليس بيننا وبينهم محاربة، أو كانت بيننا وبينهم مواثيق وعهود. فكمثل الفتن التي تقع بين أهل التوحيد.

والفتن ثلاثة أوجه: الأولى: الفتنة التي تقع بين أهل التوحيد بينهم البين. والثانية: فتنة تقع بينهم وبين المخالفين. والثالثة: هذه الفتنة المعهودة التي تقع بيننا وبين العرب و الأعراب.

والأولى: وهي الفتنة بين أهل الدعوة، وليس فيها استحلال دم ولا مال، وحركاتهم فيها حرام والقاتل والمقتول في النار، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار». قيل: (يا رسول الله القاتل فما بال المقتول ؟) قال: «لأن كل واحد منهما أراد أن يقتل صاحبه». وقد قال الله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) فهذه بعض فروعها: فكل من قتل فيها من يقتل به فهو به مقتول، وتأدية الأموال كذلك، ولا يتعدى القتل فيها كالمحاربين ولا المال.

ومهما وقعت المهادنة بينهم فهم على تلك المهادنة، وهم على ما هم عليه من أول مرة غير أن الهدنة منعتهم أن يحدثوا حدثا ما غير ما كان، ولا أن يبسطوا أيديهم إلى ما كان، وليس فيهم محق دون مبطل بل هم المبطلان جميعا، إلا أن يتنصل أحدهما من الفتنة الأولى فيكونوا محقين أن بغي عليهم، وإن بغوا هم رجعوا أصحاب فتنة كأول مرة.

ومن شرط توبتهم أن يتركوا وجوه الفساد الذي استخدموه، ويكفوا مظالمهم عمن لا يحاربهم، وينصفوا من أنفسهم إن كان فيهم حق للغير.

وإن كانوا أهل ناحية فبغى أهل الناحية بعضهم على بعض من غير أسباب الفتنة، فالمبغي عليه بحق ما لم يستعمل فنون الفساد كعادتهم.

Page 66