Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
والكلام ومانعيه بحران عظيمان واسعان بينهما برزخ لا يبغيان عند ذوي البصائر والعقول وهما بمثابة واحدة عند ذوي الجهل والفضول.
وإنما جعل الكلام للمعاني، وحافظا لها إلى حين تأديتها إلى الأنام، والكلام قشر والمعاني لباب، فمن قنع بالقشر دون اللباب فقد خاب، ومن ألحق كلا بأصله فقد أصاب، ومن استغنى عن القشر باللباب فقد طاب وطاب وطاب.
ومن هاهنا وقع التشبط في هذه الأمة، والتخبط في فروع الملة، حتى كفر بعضهم بعضا، وقال عليه السلام: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم بعض».
وقد قال الحكيم وصدق: (ما أحسن الكلام وأحسن منه معناه، وما أحسن المعنى وأحسن منه استعماله، وما أحسن استعماله وأحسن منه ثوابه، وما أحسن الثواب وأحسن منه رضى من عملت له).
وقد تضمن هذا الكلام السفر إلى الله - عز وجل - والترقي إليه والقرب منه، إذ ليس القرب من جهة المسافة، لكن القرب من صفاته.
فالله عالم فأراد من عباده أن يكونوا علماء، والرب حكيم فأراد من عباده أن يكونوا حكماء، والرب حليم فأراد من عباده أن يكونوا حلماء، والرب رحيم فأراد من عباده أن يكونوا رحماء، وهذه مقامات المكلفين ولكل درجات مما عملوا.
الدرجة الأولى: أهل القشرة والحثالة وهم الشعراء والخطباء (1) المتشدقون المتفيهقون.
الدرجة الثانية: العلماء والفقهاء.
الدرجة الثالثة: الربانيون والحكماء.
الدرجة الرابعة: المفلحون السعداء.
الدرجة الخامسة: السابقون المقربون الأولياء.
أما الدرجة الأولى: فهم أهل التشبيه والشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة إخوان الشياطين، والشعراء والخطباء، والشعراء القانعون بالقشر دون اللباب.
أما أهل التشبيه فهم الذي قصرت عقولهم أن يتجاوزوا بإلههم منازل الحواس، مثل البهائم والأنعام، إلى منازل ذوي العقول والإفهام، واستعملوا ظاهر الكتاب، ورضوا بالقشر دون اللباب، قبحا لهم وترحا.
Page 32