193

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

ثم قالوا: (إن أنتم إلا بشر مثلنا) فهاهنا استدلت الأمم بالشاهد على الغائب وقالت للأنبياء: إن ما ادعيتم من هذا محال، لأنكم بشر ونحن بشر، وما جعلكم أولى بإصابة هذا المر دوننا وكلاننا بشر، فما استجاز علينا من جهل ما ادعيتم استجاز عليكم مثله، واستدلوا بقضية العقل أنه محال أن تدرك الأنبياء إلا ما أدركوا، وتعلم الأنبياء إلا ما عملوا، وكأنهم قالوا: عقولنا واحدة، وزماننا واحد، وأجسامنا واحدة، فمن أين لكم ما ادعيتم ؟

ثم قالوا: (تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا) فكأنهم أشاروا أن للأنبياء في هذا غرضا ما، وصدقوا، وغرض الأنبياء مثل ما قالوا، أن يصدوهم عن عبادة الأوثان إلى عبادة الواحد الرحمن.

ثم قالوا: (فائتونا بسلطان مبين) فالآن أنصفت الأمم لو تمت على إنصافها، حين تعرضت للبرهان، بعد عجزهم عن حجة الفطور الظاهر الدال على الفاعل القادر.

وقال الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: (إن نحن إلا بشر مثلكم)، صدقتم نحن بشر وأنتم بشر، ولكن هذه المسألة التي بيننا وبينكم الآن ليست من العقليات الواجبات ولا من المستحيلات ولكنها من الجائزات، والدليل عليها قولهم: (ولكن الله يمن على من يشاء من عباده).

فوقعت التفرقة هاهنا بين الجائزات والواجب، وأن للفاعل أن يفرق ويمن على من يشاء ويترك من يشاء.

فانقطعت الأمم هاهنا، وظهرت عليهم الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه.

Page 28