Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
وقول الشيخ أبي خزر - رضي الله عنه - : ( يسع جهل جميع الحرام ما خلا الشرك ) ، وهذه الكلمة مجملة لا غنى لها عن التفسير ، فإنه أطلق ولم يقيد ، والتقييد أنه قد يقع من الشرك ما ليس عليك أن تعلمه أنه شرك ، ولا أنه معصية ، ولا أن عليه عقابا .
وهذا الشرك الذي أراد هو الشرك المشهور لفظا ومعنى ، وهو على ثلاثة أوجه :-
أوله : من مثل الرحمن بغيره ، أو أشار إلى شيء سواه فقال : إنه هو ، أو نفاه ، فهذه الأوجه الثلاثة لا يسع أحد جهلها وشركها ووعيدها وأسماءها . وأما ما وراء ذلك من الإشراك كله ، فإنه يسعك ألا تعلمه شركا ، ولو وجبت عليك معرفته ، فليس عليك أكثر من أن تعلم أن الجاهل قد عصى وأتى حراما لا غير ، حتى تقوم عليك الحجة بهذا كله ، وهو على أوجه :
منها : تكذيب الله تعالى في خبره ، وإنكار الرسل ، وإثبات الرسالة لغير الرسل ، ونسبة هذا الخلق إلى صانع غير الله . فهذا كله في ذاته شرك .
ولو أوجب الله عليك معرفة شيء من هذا ، فليس عليك مع معرفة شركة شيء ، حتى تقوم عليك الحجة بكفر مضيعة أو شركة ، وليس عليك أكثر من أن تعلم أنه عصى ، وأنه حرام ما أتى .
وأما قوله : ( والاستحلال لما حرم الله ، والإصرار على ما حرم الله ) .
اعلم أن من استحل ما حرم الله ، ولم يعلم أنه حرام ، فليس عليك منه شيء حتى تعلم ، وإن علمت أنه استحل ما حرم الله ، فليس عليك أكثر من أن تعلم أنه أتى معصية وأتى حراما .
وكذلك الفاعل نفسه ليس عليك أكثر من أن تعلم أنه أتى حراما والتوبة عليه ، وكذلك سائر المعاصي ، فما بال الاستحلال اشترط فيه : وذلك إذا علمت ، وكذلك سائر المعاصي ، لا فضيلة للتحليل ولا للتحريم عليها .
وأما المصر على فعل لا يدري ما هو حلال أو حرام ، فليس عليك منه شيء .
وأما إذا علمت أنه أصر على معصية ، فليس فيه أكثر مما علمت أنه فعل معصية ، وإن كفر عند الله على إصراره ، فليس عليك من معرفة كفره شيء كالمستحل .
Page 78