148

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

ثم إن الله توعدهما إن لم يجتهدا ، أو اجتهدا ولم يظهر ما عندهما ، وأعظم توعد إن أظهرا خلاف ما عندهما ، فلا يسقط الهلاك عن أحدهما محقا أو مبطلا ، لأن الحق إذا كان مع الواحد فالباطل مع الآخرين ، لأن الحق ضد الباطل ، فمن أخطأ الحق وقع في الباطل ، لأنه ضده من جهة اللغة ، وإن شئت من جهة الشرع وقع في الضلال قال الله - عز وجل - : ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) .

فإن امتنعوا أن يجعلوا خلاف الحق عندهم في هذه الأقاويل هو الباطل ، فهما حقان إذا وباطلان ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟

وأما قول من قال : إن قول المختلفين صواب . وهو قول علي بن أبي طالب ، لما وقع فيما وقع وارتطم فيما ارتطم فيه ، جعل يتوسع على نفسه العذر .

وصنيع أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - حين وقعت فيما وقعت فيه ، جعلت تتساهل في العذر في تأويل قول الله تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) فقالت أول مرة : ( ظالمنا ظالم ، ومقتصدنا ناج ، وسابقنا سابق ) ، فلما وقعت رجعت فقالت : ( ظالمنا مغفور له ، ومقتصدنا ناج ، وسابقنا سابق ) .

ومذهب علي بن أبي طالب : أن طلحة والزبير مجتهدان أو تائبان ، وأما معاوية وعمرو فلا ، وأما من معهما من أهل الشام فهم أهل الاجتهاد .

وأما أهل النهروان فهم أولى بالاجتهاد والصواب ، وقد كان سئل عنهم فقال : ( إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ) .

واختلف القول في رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هل يجوز له الرأي أم لا ؟

قال بعضهم : يجوز له الرأي ، ورأيه أفضل الآراء .

وقال بعضهم : لا يجوز له الرأي ، لأن الله - عز وجل - أغناه بالوحي عن الرأي . وحجة الذين قالوا يجوز له الرأي قول ابن عباس : ( كان رسول الله عليه السلام يقضي بالقضية ، فينزل القرآن بخلافها ، فيستقبل حكم القرآن ولا يرد قضاءه ) .

Page 74